أ ـ إما مطلقا، أي ملغي عنده رأسا في الأحكام كلها، وهو أن يكون من جنس ما ألفنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، مثل الطول والقصر، والسواد والبياض ونحوه، فإن الشارع قد ألغى اعتبار هذه الأوصاف في أحكامه مثل الإرث والقصاص والكفارة ونحوها، فلا تصلح مثل هذه الأوصاف أصلا لتعليل الحكم بها.
ب ـ أو في الحكم المبحوث عنه: بمعنى أن ما حذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس الحكم المعلل، وإن كان قد اعتبره، مثاله: وصف الذكورة والأنوثة، فإن الشارع اعتبره في الشهادات والقضاء وولاية التزويج والإرث، ولكنه ألغاه بالنسبة لأحكام العتق، لأنه سوى بين الذكر والأنثى في أحكام العتق، لقوله تعالى: (فتحرير رقبة) وهذا يشمل الذكر والأنثى، وبناء عليه يكون قوله عليه السلام: (من أعتق شركا من عبد قوم عليه نصيب شريكه) [1] ، شاملا العبد والأمة في حكم سراية العتق دون قصره على الذكر فقط.
ثالثا / ألا يظهر ـ في ذهن الناظر ـ للوصف الذي يراد حذفه مناسبة للحكم:
أو ما يوهم المناسبة، أي ألا يقوم دليل على أن الشارع أعتبر هذا الوصف بنوع من أنواع الاعتبارات، ويكفي لمن يريد إثبات عدم مناسبة الوصف لحكم أن يقول بحثت فلم أجد له مناسبة للحكم، ولا يلزمه إقامة الدليل على عدم ظهور المناسبة، لأن الفرض أن الباحث مجتهد عدل أهل للنظر والبحث، فالظاهر صدقة، وأن الوصف غير مناسب، ويلزم منه حذفه، إذ لا طريق إلى معرفة عدم المناسبة إلا إخبار هذا المجتهد، ويلاحظ أن الفرق بين الطردية وعدم ظهور المناسبة، أن الطردية يثبت فيها إلغاء الوصف شرعا، وأما عدم ظهور المناسبة فهي مجرد نتيجة تقوم في نظر الباحث، ولذا يكفيه أن يقول: بحثت فلم أحد.
المسلك الثاني من مسالك العلة المستنبطة مسلك المناسبة، وتسمى الإخالة [2] ، والمصلحة والاستدلال، ورعاية المقاصد، وتخريج المناط [3] .
(1) متفق عليه بين البخاري ومسلم من حديث ابن عمر بلفظ (من أعتق شركا له في عبد) فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) سبل السلام 4/ 139.
(2) لأن الحكم بمناسبة الوصف يخال، أي يظن أن الوصف علة.
(3) لأنه إبداء مناط الحكم، وحاصلة تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها وبين الحكم من الأصل ذاته لا بنص ولا بغيره (راجع شرح العضد على مختصر المنتهي 2/ 239)