إلى هنا انتهى عرض أدلة المنكرين للقياس، ومنها يظهر أنها راجعة إلى مراعاة مبدأ آخر، وهو التمسك بظاهر النصوص، فإنهم يقصرون بيان النصوص على العبارة وحدها، ولا يتجاوزونها إلى غيرها، أما الجمهور فإنهم أخذوا بمبدأ تعليل النصوص [1] ، ووسعوا معنى دلالاتها فقالوا: إن الدلالة على الأحكام تكون بألفاظ النصوص، وبالدلائل العامة التي تبينها مقاصد الشريعة في جملة نصوصها وعامة أحوالها، فنص آية"إنَّمَا الخَمْرُ"يدل على تحريم الخمر بالعبارة، وفيه دلائل تشير إلى أن كل ما فيه ضرر غالب يكون حراما، بدليل آية"قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" [2] وحينئذ يكون القياس في الحقيقة إعمالا للنص وليس خروجا عن النص كما يدعى منكروه، فالخلاف راجع إذا إلى مسألة تعليل النصوص وعدم تعليلها.
وقد أحسن الشهرستاني في رده على داود الأصفهاني الذي أنكر القياس قائلا: إن أول من قاس إبليس، وعبارات الشهرستاني هي: لقد ظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة، ولم يدر أنه طلب حكم الشرع من مناهج الشرع، ولم تنضبط قط شريعة من الشرائع إلا باقتراب الاجتهاد بها، لأن من ضرورة الانتشار في العالم الحكم بان الاجتهاد معتبر، وقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم كيف اجتهدوا، وكم قاسوا، خصوصا في مسائل المواريث كتوريث الإخوة مع الجد، وكيفية توريث الكلالة، وذلك مما لا يخفي على المتدبر لأحوالهم [3] .
قال الشيخ محمد أبو زهرة: وفي الحق أن نفاه القياس قد أخطئوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أداهم إهمالهم إلى أن قرروا أحكاما تنفيها بدائه العقول، فقد قرروا أن بول الآدمي نجس للنص عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص عليه، وأن لعاب الكلب نجس، وبوله طاهر، ولو اتجهوا إلى قليل من الفهم لفقهوا النص، ولما وقعوا في مناقضة البدهيات على ذلك النحو [4] .
وسيتضح هذا وضوحا ظاهرا عند سرد أدلة الجمهور.
(1) فواتح الرحموت 2/ 293 وما بعدها، أصول السرخسي 2/ 144 وما بعدها.
(2) سورة البقرة الآية: 219.
(3) الملل والنحل 1/ 206.
(4) أصول الفقه للشيخ محمد أبو زهرة 217.