فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 92

وأما كون الشارع شرع أحكاما لا مجال للعقل فيها، فهو أنه أباح النظر إلى الأمة الحسناء، وألزمنا بغض البصر بالنسبة للحرة الشوهاء أو العجوز القبيحة المنظر، مع أن النفس تميل إلي الأولي وتنفر من الثانية, وأوجب المشرع قطع اليد في السرقة القليل, ولم يوجبه في غصب الكثير, وأوجب الجلد علي من قذف غيره بالزنى, ولم يوجبه علي من قذف غيره بالكفر، مع أن الكفر أشد وأعظم، وشرط في شهادة الزنى أربعة شهود عدول، مع أنه اكتفى في الشهادة على القتل باثنين فقط، مع كون القتل وأغلظ من الزنى. وغيرها مما ذكر من فروع الفقه.

ويرد هذا الدليل بأن القياس إنما يجب العمل به عند معرفة العلة الجامعة بين الأصل والفرع، مع عدم وجود المعارض لثبوت الحكم في الفرع، وعندئذ يصير الأصل والفرع متماثلين من هذه الناحية ويعطي لهما حكم واحد، والقياس دائما شأنه كذلك، فلا يفرق بين المتماثلات بل يجمع بينها [1] .

أما عند عدم وجود العلة الجامعة بين الأصل والفرع أو وجود المعارض، فإن الأصل والفرع يكونان متخالفين من هذه الجهة، ويعطي لكل منهما حكم يناسبه، حتى ولو كانا متماثلين في الظاهر، وامتناع القياس في صور معدودة لا يفضي إلى امتناعه من أصله.

وفي الجملة: إن القياس يجمع بين المتماثلات بحسب الواقع، وإن كانت متخالفة باعتبار الظاهر، ويفرق بين المختلفات بحسب الواقع، وإن كانت متماثلة باعتبار الظاهر.

والشارع اعتبر هذا المبدأ في كل ما شرع، وأما ما أورده النظام من الصور فهو نادر، والنادر لا يحكم به على الكثير الغالب، وسيأتي لهذه الشبه وردها مزيد من التفصيل قريبا في هذا البحث، وإن التفريق بين المتماثلات يجوز أن يحصل لعدم وجود العلة الجامعة بينهما أو لوجود معارض، وكذلك الجمع بين المختلفين يجوز أن يحصل لاشتراكهما في معنى جامع بينهما.

والخلاصة: إن كلام النظام إما مبني على مراعاة الظاهر في التماثل أو الاختلاف، أو على حالات نادرة، أو لعدم وجود العلة الجامعة بين أمرين، مع أنهما متماثلان في الحكم، فليس كل متماثلين متفقين من كل وجه، بل تجوز التفرقة بينهما في وجه من الوجوه، وليس الجمع بين المختلفين واقعا فإن الطهارة في التراب مثلا حكيمة، وليست حسية.

(1) انظر القياس في الشرع الإسلامي لابن قيم 56 وما بعدها، والأحكام للآمدي 3/ 69، وشرح الآسنوي 3/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت