وأما الآيات الثانية والثالثة والرابعة: فلا دلالة فيها على المنع، لأن الحكم الثابت القياس ليس مظنونا، بل هو مقطوع به عند المجتهد، أي معلوم يقينا أنه حكم الله في المسألة أو أنه على الأقل يجب العمل به، للإجماع على وجوب إتباع ما ظنه المجتهد.
وأم وجود الظن فهو في الطريق الموصل إلى الحكم، ولا مانع من وجود قاعدة ظنية في أثناء الاستدلال، لأن العلماء أجمعوا على أن المجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه صوابا، والإجماع يفيد القطع على الراجح، وأيضا فإن الظن هو الطرف الراجح من الاحتمالات، والعقل يقضي بالعمل بالطرف الراجح.
ويجاب عن هذه الآيات أيضا بأنها واردة في غير محل النزاع، فهي واردة في النهي عن إتباع الظن في أحكام العقائد، فهي التي يتطلب فيها القطع واليقين، أما الأحكام الشرعية العملية فالظن فيها كاف بالاتفاق بين العلماء، والدليل عليه أننا مكلفون بالعمل بأخبار الآحاد وظاهر الكتاب والسنة، وبقبول شهادة الرجلين والرجل والمرأتين ونحوها مما لا يفيد إلا الظن.
وأما الآية الخامسة، فإن المراد بالكتاب هو علم الله أو اللوح المحفوظ، وعلى تسليم أن يكون المراد به القرآن، فلا يشتمل القرآن على جميع الأحكام الشرعية بدون واسطة، لأن اشتماله خلاف الواقع، فكثير من الأحكام الشرعية قد أخذ من السنة أو الإجماع، وحينئذ يكون المراد من اشتمال القرآن على جميع الأحكام شموله لها في الجملة، سواء أكان بواسطة القياس، أم بغير واسطة وهو المنصوص عليه، أي أن كل شيء فرض فهو في القرآن معنى، وإن لم يكن فيه لفظا، فحكم المقيس مذكور فيه معنى، لمشابهته للمقيس عليه في علة الحكم، وقد دل القرآن على وجوب العمل بالقياس بقوله تعالى:"فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ"كما سيأتي بيانه في أدلة المثبتين، وحينئذ تكون الآية التي احتجوا بها موجبة للعمل بالقياس، وليست مفيدة لعدم العمل به، فيبطل قولهم: إن القياس غير محتاج إليه، بل قد يحتاج إليه في إظهار الحكم في المقيس.
ب ـ السنة: من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" [1] فهذا الحديث يدل على أن الأشياء إما واجبة، وإما حرام، وإما مسكوت عنها، فهي في دائرة المعفو عنه أو المباح، والمقيس من المسكوت عنه فهو في دائرة
(1) حديث حن رواه الدار قطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه.