فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 92

المعفو عنه بلا ريب، فإذا قسنا المسكوت عنه على الواجب مثلا تكون قد أوجبنا ما لم يوجبه الله، وإذا قسناه على الحرام نكون قد حرمنا ما لم يحرمه الله.

ويرد عليهم بأن هذا الحكم الثابت بالقياس ليس حكما من المجتهد، وإنما هو حكم الله، لأن علة حكم الأصل استلزمت الحكم في الفرع بطريقة المعنى، فكأن الله تعالى قال: كلما تحققت علة هذا الحكم في محل لم ينص على حكمه فأعطوه مثل هذا الحكم:

لأن الأحكام الشرعية معللة، والعلة تقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت.

وعليه لا يكون المجتهد قد أوجب أو حرم من تلقاء نفسه، وإنما أظهر أن الحكم في المقيس كالحكم في المقيس عليه لتحقق العلة فيهما جميعا.

واستدلوا أيضا من السنة بحديث آخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا) [1] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل العمل بالقياس موجبا للضلال.

وأجيب عنه بأن هذا الحديث معارض بالأحاديث التي تفيد وجوب العمل بالقياس، مثل حديث معاذ وأبي موسى اللذين سيذكران في أدلة إثبات القياس، ويدفع التعرض بينهما بجعل هذا الحديث على العمل بالقياس الفاسد، وحديث معاذ على العمل بالقياس الصحيح، جمعا بين الأدلة، إضافة إلى أن مدار هذا الحديث على عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متفق على ضعفه، كما في مجمع الزوائد [2] .

والقياس الفاسد: هو الذي لا يعتمد على دليل، أو وجد من الأدلة ما يعارضه، ولكن صاحبه عاند فيه، أو اعتمد فيه على الظن والتخمين، لا على مقاصد الشريعة العامة.

والقياس الصحيح: هو الذي لا يتعارض مع الكتاب والسنة ويتمشى معهما، ولم يكن مبنيا على افتراضات أو تخمين، بل على استدلال من نصوص الشريعة أو مقاصدها العامة، كالرأي المقول بناء على مبدأ المصالح المرسلة، وهي التي لم يتعرض لها الشرع لا بالاعتبار ولا بالإلغاء.

(1) من رواية عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، قال ابن حزم في كتابه (ملخص إبطال القياس والرأي 56) : (عثمان تركوه) ، وانظر (الإحكام في أصول الأحكام له 2/ 786) رواه يعلي وفيه عثمان متفق على ضعفه (مجمع الزوائد 1/ 179) .

(2) ص 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت