ومن الأدلة المعقولة التي استندوا إليها أن القياس نوع من الظن، والظن ممنوع عقلا، لأنه يحتمل الخطأ، والخطأ محظور، وكل محظور يوجب العقل التحرز عنه، فالقياس لا يجوز عقلا.
ورد هذا الكلام بأن الظن الممنوع عقلا هو الذي لا يغلب جانب الصواب فيه بأن يكون غير صواب أصلا، أو الصواب فيه مرجوح، أما الظن الذي يترجح فيه جانب الصواب فليس محظورا، بل يترجح العمل بموجبه بمقتضى العقل، ولا يشترط دائما أن نتيقن من المنافع وإلا لتعطل كثير من المصالح، فالزراعة والتجارة والصناعة كلها مظنونة الربح، وليست يقينية الإنتاج.
استدل النظام على أنه يستحيل التعبد بالقياس عقلا بأن العقل يوجب إعطاء المتماثلات حكما واحدا، والمختلفات أحكاما مختلفة، ولكن الشارع قد فرق بين المتماثلات في الأحكام، وجمع بين المختلفات وشرع أحكاما لا مجال للعقل فيها، وذلك كله ينافي مقتضى القياس، لأن مدار القياس على إبداء العلة وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها في العلة، وأيضا فإن القياس يقضي بالتفريق بين المختلفات، وبه يتبين ألا مجال للقياس في الشرع لتناقض مضمونها، وأن القياس مضاد للشريعة [1] .
أما بيان منهج الشارع في المخالفة والتفريق بين المتماثلات: فهو أنه قد فرق بين الأزمنة في الشرف والفضل، ففضل ليلة القدر والأشهر الحرام على غيرها.
وفرق الشارع أيضا بين الصلوات في مسألة القصر في الصلاة الرباعية دون الثنائية أو الثلاثية، مع أن الصلوات متماثلة، وكذلك أوجب قضاء الصوم على الحائض، ولم يوجب عليها قضاء الصلاة، مع أن كلا منهما عبادة.
وأما بيان منهج الشارع في الجمع والاتحاد بين المتخالفات: فهو أنه جعل التراب في التيمم موجبا للطهارة للصلاة كالماء تماما عند عدم الماء أو المرض، مع أن الماء ينظف الأعضاء والتراب يلوثها.
(1) القياس لابن تيمية وابن القيم 54، أعلام الموقعين 2/ 52، شرح الآسنوي 3/ 25، الإبهاج 2/ 13 وما بعدها شرح العضد على مختصر المنتهى 2/ 249.