واعترض على هذا الإجماع بأنه غير ثابت أصلا، فقد أنكر الصحابة العمل بالقياس وذموا الأخذ به، كما عرفنا في أدلة نفاه القياس، مثل ما نقل عن أبي بكر أنه قال: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي) ونقل نحوه عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن الذين نقل عنهم إنكار الرأي هم الذين نقل عنهم إنكار الرأي هم الذين نقل عنهم القول به، فلابد، فلا من التوفيق بين النقلين، فيحمل ما نقل عنهم من أدلة الجمهور على القياس الصحيح، ويحمل النقل المعارض على القياس الفاسد توفيقا بين النقلين وجمعا بين الروايتين.
4 ـ المعقول: وذلك من ثلاثة أوجه:
أولا: أن أحكام الشارع معللة معقولة المعنى، ولها مقاصد فالله سبحانه لم يشرع حكما إلا لمصلحة، ومصالح العباد هي الغاية المقصود من تشريع الأحكام.
فإذا غلب على ظن المجتهد أن حكم الأصل معلل وتحققت المقاصد والعلل في غير موضع النص أي في الفرع، فإنه يثبت الحكم المقرر في النص فيما لا نص فيه في أغلب الظن عند المجتهد، والعمل بالظن أمر واجب [1] ، لأن من الحكمة والعدالة أن تتساوى الوقائع في الحكم عند تساويها في المعنى، تحققا للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، فليس من المعقول أن يقتصر تحريم الربا ـ ربا البيوع ـ على الأصناف الستة، وهي: (الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح) منعا للاستغلال أو التلاعب بأثمان الأشياء وأقوات الناس، العلة هي الطعم أو الاقتيات والادخار أو النقدية أو المالية والكيل أو الوزن كما ذهب إلى كل ذلك فريق من الفقهاء، فهذه العلة متحققة في الذرة والأرز والفول مثلا، فكان لابد من تحريم الربا في هذه الأشياء، كما أن النقدية والمالية تتحققان في الأوراق النقدية كالذهب والفضة سواء بسواء.
ثانيا: أن الشافعي الذي يعتبر أول من تكلم في القياس ضابطا لقواعده مبينا أسسه، قرر أن كل ما يكن من أحداث ونوازل، فللإسلام فيه حكم، لأن الشريعة عامة نعم الأحداث جميعا بالحكم عليها بكونها خيرا أو شرا، محظورة أو مباحة، وحينئذ لابد من أن يكون الشارع قد نبه إلى حكم الحادثة إما بنص أو بإشارة، أو بدلالة تدل على الحكم، ومعرفة الحكم بطريق الدلالة يكون بالاجتهاد والاستنباط وإلحاق الأشباه بأشباهها.
(1) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 238.