ثم إن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع وإن نصوص القرآن والسنة محدودة متناهية بانتهاء الوحي، وحوادث الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية، والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي إلا إذا فهمت العلل التي لأجلها شرعت الأحكام المنصوصة، وطبقت على ما يماثلها، فإنه يجب القول بالقياس وهذا هو معناه، قال الشهرستاني: (وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أيضا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضا، والنصوص إذا كانت متناهية، وما لا يتناهى، علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد [1] .
وبهذا الطريق تكون الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وافية بحاجات الناس ومصالحهم إلى الأبد، فإنكار القياس في الشريعة رمى لها بالجمود وطعن عليها بعدم وفائها بحاجات الناس [2] ، وذلك يتنافى مع جوهر الشرع وروحه العامة، ويناقض المقصود من بعثة الرسل عليهم السلام.
ثالثا: إن الفطرة السليمة وبداهة العقول تقتضي العمل بالقياس، فمن منع من فعل، لأن فيه أكلا لأموال بالباطل، أو لأن فيه ظلما لغيره واعتداء على حق الآخرين، فإنه يقيس على هذا الفعل كل أمر فيه عدوان أو ظلم، والناس في كل زمن يعرفون أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الآخر حيث لا فرق بينهما، فالحكم بالإعدام على شخص لإخلاله بأمن الدولة مثلا يجري على أي شخص آخر يرتكب مثل هذه الجريمة.
والخلاصة: إن سبب الخلاف في حجية القياس راجع إلى مبدأ تعليل النصوص كما أوضحنا قريبا في نهاية الكلام على أدلة منكري القياس في هذا البحث، فالجمهور الذين أثبتوا القياس قرروا أن الأحكام معللة معقولة المعنى، والعلة باعثة على نقل الحكم من الأصل إلى الفرع، أو إثبات مثل حكم المنصوص عليه في غير المنصوص عليه، ونفاه القياس من الظاهرية وغيرهم قرروا أن النصوص غير معللة تعليلا من شأنه تعدية الحكم إلى ما وراء النص [3] .
الترجيح:
(1) الملل والنحل 1/ 199.
(2) أصول الفقه للشيخ/ زكي الدين شعبان 66.
(3) راجع الموافقات 4/ 230، كشف الأسرار 2/ 1013، التوضيح 2/ 64، شرح العضد لمختصر المنتهي 2/ 238.