فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 92

ثانيا: أن هذا الحديث وإن كان مرسلا عن شعبة، والحارث بن عمرو مرفوعا إلى معاذ، فإنه روى مسندا من طريق آخر بإسناد عرف كل أصحابه وكلهم ثقات ضابطون [1] ، ثم لو سلم إن هذا الحديث غير صحيح فغيره مما تثبت به الحجة على المراد قد صح.

واعترض على حديث الخثعمي بأن الحكم الثابت بموجبه ليس بطريق القياس، وإنما بالنص على قضاء الدين في قوله تعالى:"مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ" [2] ، وأجيب عنه بأنه افتراض بعيد، فلو لم يكن إثبات الحكم بطريق القياس على دين الآدمي، لما كان التعرض لذكره مفيدا، وإنما يقتصر في الجواب على قوله: (نعم) أي حج عن أبيك.

واعترض على حديث عمر في القبلة بأن الحكم ثابت فيه من قبل الرسول المعصوم صاحب الرسالة الذي يقول سبحانه عنه:"إن هو إلا وحي يوحى" [3] ، فليس الحكم ثابتا بالقياس.

وأجيب عنه بان فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حجة في حقنا، نحن مطالبون بالتأسي به، ولا يتحقق التأسي إلا بالقياس على فعله، وهذا هو معنى القياس.

3 ـ الإجماع: أن الصحابة قد تكرر منهم القول بالقياس، والعمل به غير إنكار من أحد، فكان فعلهم إجماعا منهم على أن القياس حجة يجب العمل به، ومن أمثلته ما يأتي:

أن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن الكلالة، فقال: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة: ما عدا الوالد والولد) .

والرأي هو القياس: لأن الكلالة معناها الحاشية في الطريق، فجعل ما عدا الوالد والولد مثل هذه الحاشية، وقاس الصحابة خلافة أبي بكر على تقديم الرسول له في إمامة الصلاة، وبينوا أساس القياس بقولهم:"رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟".

وإن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري حينما ولاه على البصرة، يقول فيه: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك [4] .

(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، إلا أن البخاري قال عنه: لا يصح أي مسندا، مرسل، وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل، وانتصر بعضهم لصحته، وقد سبق تخرجه.

(2) سورة النساء الآية: 11.

(3) سورة النجم الآية: 4.

(4) أنكر ابن حزم في كتابه (المحلي 1/ 59) وملخص إبطال القياس والرأي 6) صحة هذه لرسالة، فقال (لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف وأبوه أسقط منه، أو من هو مثله في السقوط، فكيف وفي هذه الرسالة نفسها أشياء خالفوا فيها عمر منها قوله فيها:(والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حسد، أو ظنيا في ولاء أو نسب، وهم لا يقولون بهذا، يعني: جميع الحاضرين من أصحاب القياس من المذاهب الأربعة لا يعترفون بهذا الرأي من عمر، فكيف يحتجون بكلامه في القياس ولا يعملون بما بقى من كلامه .. الخ) ونحن نرى أن هذا الكتاب صحيح على عكس ما يدعيه ابن حزم والمستشرقون، لأن كتب الأدب والفقه تضافرت على روايته، حتى وإن كان في مسنده هذه بعض الطعون الحديثة، فإن هناك روايات أخرى يقوي بعضها بعضا، لاسيما وقد صح بعضها، فقد رواه الدراقطني ثم البيهقي سننهما عن أبي المليح الهذلي، وروى بعضه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه الدراقطني من طريق أحمد عن سعيد بن أبي بردة، ورواه البيهقي في المعرفة عن أبي العوام المصري، ونقله ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب وأعتمده ابن القيم في أعلام الموقعين 1/ 58، وانظر (نصب الراية لأحاديث الهداية 4/ 63 - 81، قال الأستاذ أحمد شاكر معلقا على رواية الدراقطني من طريق أحمد بن حنبل:(وخير الأسانيد فيما نرى إسناد سفيان بن عيينه عن إدريس، وهو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأزدي وهو ثقة ـ أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أراه الكتاب، وقرأه لديه، وهذه وجادة جيدة في قوة الإسناد الصحيح إن لم تكن أقوى منه، فالقراءة من الكتاب أوثق من التلقي عن طريق الحفظ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت