فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 92

وروى أن عمر قال: (صنعت اليوم يا رسول الله أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت فو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقال: لا بأس بذلك، فقال رسول الله: ففيم [1] ؟ أي في أي أمر هذا الأسف، فالرسول قاس القبلة التي هي مقدمة الوقاع على المضمضة التي هي مقدمة الشرب في أن كلا منهما وسيلة إلى المقصود، فلا يفسدان الصوم.

وهذا يدل على أن المساواة بين الشيئين تصلح دليل لإثبات حكم الأصل في فرع، وهناك حوادث كثيرة في هذا المعنى أفاض الآمدي في ذكرها.

وقد اعترض على قصة معاذ وأبي موسى بأن تصويت النبي عليه السلام كان قبل نزول آية:"اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" [2] فيكون القياس حجة في ذلك الزمان لكون النصوص غير وافية بجميع الأحكام، أما بعد إكمال الدين والتنصيص على الأحكام فلا يكون القياس حجة، لعدم الحاجة إليه، لأن شرط القياس فقدان النص.

والجواب عنه: أن الآية تدل على إكمال أصول الدين فقط لا فروعه، لأن الواقع أن النصوص لم تتناول جميع فروع الشريعة لعدم تناهيها، فتكون الحاجة ماسة إلى لقياس لإثبات أحكام تلك الفروع.

وأيضا فإن تصويب النبي لمعاذ وأبي موسى يشعر بأن القياس حجة مطلقا دون تخصيص بوقت دون وقت، فادعاء التخصيص تحكم، ولا دليل عليه، لأن الأصل عدم التخصيص، وأيضا فإن إكمال الدين يكون بواسطة، وتلك الواسطة هي القياس.

واعترض على حديث معاذ بأنه من المراسيل، لأن الذين رووه عن معاذ مجهولون، وقد أبرز هذا الاعتراض ابن حزم في كتابه: (الأحكام، وإبطال القياس، والاستحسان) وأجيب عنه لأن جهالة الرواة عن معاذ لا يمنع صحة الآخذ به لسببين:

أولا: أن هذا الحديث قد اشتهر وتلقته الأمة بالقبول، وما كان كذاك لا يقدح فيه كونه مرسلا، بل إن جهالة الرواة عن معاذ وشهرتهم لا تخفى على أحد.

(1) أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عمر رضي الله عنه ونصه في آخره:"قلت: لا بأس به، قال: ففيم"سبل السلام 2/ 158، جمع الفوائد 1/ 414، جامع الأصول 7/ 196"."

(2) سورة المائدة الآية: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت