لا يكفي لإجراء عملية القياس مجرد معرفة الوصف الجامع بين الأصل والفرع، بل لابد من دليل يدل على اعتبار الوصف علة للحكم، كي يثبت القياس، ولذا فإن كثيرا من الأصوليين يضيفون إلى شروط العلة السالفة الذكر شرطا هو أن يدل دليل على العلة.
والأدلة التي تدل على اعتبار الوصف علة للحكم هي المعروفة بمسالك العلة، ومعنى كونها مسالك لها أي هي طرق لمعرفتها، ومعرفة ثبوت الحكم بها، ومسالك العلة نوعان حسب تنوع العلة، ذلك أن العلة أما منصوص على اعتبارها مؤثرة أو معرفة للحكم بالقرآن أو السنة أو الإجماع، وإما أن تكون ثابتة بالاستنباط من خلال تتبع موارد الاستعمال وأساليب اقتران الأوصاف بالأحكام، وإليك بيان تلك المسالك على التوالي:
المسلك الأول / النص: وهو نوعان:
1 ـ النص القاطع: وهو أن يرد النص دالا على التعليل صراحة دون احتمال لغيره، أو هو دلالة اللفظ الوارد في النص على العلية بالوضع بأن يكون اللفظ موضوعا في اللغة لإفادة العلية.
والألفاظ الموضوعة لإفادة العلية كثيرة منها (كي، لأجل، إذا، لعلة كذا، لسبب كذا، لمؤثر كذا، لموجب كذا) ونحوها، كما يتبين من الأمثلة التالية:
قال تعالى:"مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ" [1] .
فإن (كي) موضوعة للتعليل، ولم تستعمل في غيره، فلم تحتمل غير التعليل، فهذه علة صريحة قطيعة لتخصيص الفيء بهؤلاء الأوصاف دون غيرهم لي رأي جمهور العلماء، وهي ألا يكون متداولا بين الأغنياء فقط، ويحرم منه الفقراء.
وقال سبحانه ـ بعد أن قص نبأ ولدى أدم ـ:"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" [2] ، وقال عليه الصلاة والسلام:"إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة، ألا فادخرو) [3] أي لأجل"
(1) سورة الحشر الآية: 7.
(2) سورة المائدة الآية: 32.
(3) راجع الرسالة للإمام الشافعي 236، شرح الجامع الصحيح من مسند الإمام الربيع بن حبيب جـ 3/ 342 برقم 112.