بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين رفع بالعلم درجات العاملين، ووسع مداركهم رحمة بالعالمين، وجعل العلم النافع رحما بين أهله، وأرشد إلى إعطاء النظير حكم نظيره وإلحاقه بمثله.
وصلاة الله وسلامه على إمام المتقين سيد كل سيد ومسود من والد ومولود، المرسل بخير شريعة إلى خير أمة، أوسع الناس أفقا وأصحهم قصدا، وأسدهم رأيا، محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المخلصين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن القياس الشرعي من أدق مباحث علم الأصول وأصعبها مراسا، فهو مما خاضت في بحوره أساطين العلماء فأثبته قوم وأنكره آخرون، نظرا لما دخل في أذهانهم من التباس من أثر شبه إذا نظر إليها الباحث قبل التريث والتثبت قد يستهويه ما يشيره المنكر للقياس من تلك الشبه فيسير وراءها دون روية.
وقد ينظر بعض الذين لا دراية لهم بمصادر التشريع فيظن عن جهل أنه لم يكن هذا المصدر معروفا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عصر من بعده من الصحابة والتابعين، فيحكم بأن القياس ضرب من العبث وبدعة محدثة وكل بدعة ضلالة، إذ فيه بعد عن الدين، وضلال مبين وإتباع لغير الطريق المستقيم، وذلك يصد الناس عن أدلة الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين.
وتقابل هؤلاء طائفة غلت في إثبات القياس وتجاوزت به الحد المعقول، فقدمته على النصوص الثابتة الصريحة، فكثيرا ما قالوا عن بعض النصوص إنها مخالفة للقياس، فنتج عن ذلك تعطيل لكثير من الأدلة النقلية الثابتة، وترك الاستدلال بها.
وتوسط أقوام بين هؤلاء وأولئك، فاجتهدوا ما وسعهم الاجتهاد، ملتمسين للقضايا والوقائع التي لم ترد نصوص بأحكامها، تنظيرا وتشبيها بما وردت النصوص بالحكم فيه مما شرع فيه الحكم بناء على وصف مبين، أو علة مضمونة، فجمعوا بين المتماثلات، وأعطوا للنظائر حكم نظائرها، مستنيرين بما أرشدت إليه الآيات القرآنية وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وعمل به الصحابة في المجالات المختلفة للقياس.