3 ـ مذهب طائفة من الأصوليين وهو اختيار الآمدي فهو يرى أن التعليل بالحكمة جائز إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة، أما إن كانت خفية أو مضطربة فلا يجوز التعليل بها كالمشقة فإنها خفية غير منضبطة، بدليل أنها قد تحصل للحاضر وتنعدم في حق المسافر، ولكل رأي دليله، ومع إجازة من أجاز التعليل بالحكمة نجد كلمتهم متفقة على أن التعليل في النصوص الشرعية لم يقع بالحكمة بل بنيت الأحكام فيها على العلل والأوصاف الظاهرة المنضبطة.
هذا ما قرره الأصوليون في كتبهم نظريا [1] .
والمتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجد بناء الأحكام على الحكم وتعليلها بها مستفيضا واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار، الأمر الذي يدحض ما اتفقت عليه كلمة أكثر الأصوليين، وهذه نماذج من ما ورد فيه التعليل في النصوص القرآنية والنبوية على السواء بالحكم لا بالأوصاف.
1 ـ قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ والْمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [2] .
ألا ترى معي أن الله سبحانه وتعالى قد علل تحريم الخمر بما يترتب على شربها من مفاسد دينية ودنيوية من وقوع العداوة والبغضاء بين الناس والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وإنها رجس وإنها من عمل الشيطان، وهذا هو التعليل بالحكمة، لأن ما ذكر هو الباعث على التحريم والتعليل به نص.
2 ـ قال تعالى:"فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وطَرًا" [3] .
فها نحن نجد الشارع الحكيم يعلل أمر زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب التي كانت زوجا لزيد بن حارثة ابن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبني بعد تطليقه إياها بدفع الحرج عن
(1) راجع الإبهاج، ونهاية السول شرحي المناهج 3/ 91، والإحكام للآمدي 3/ 12، المحصول جـ 2/ 389 - 397، أبو النور زهير جـ 4/ 59.
(2) سورة المائدة الآيتان: 90، 91.
(3) سورة الأحزاب الآية: 37.