ومشروعية قصر الصلاة في السفر، حكمتها دفع المفسدة التي هي المشقة، غير أن هذه المشقة أمر اعتباري يختلف بالنسبة للأشخاص والظروف والأزمان والأماكن، فلا يمكن جعل المشقة مناطا للحكم وهو الترخيص في قصر الصلاة، ولكن لما كان السفر مظنة هذه المشقة، وهو أمر ظاهر منضبط، جعل السفر علة لإباحة القصر كما هو علة لإباحة الفطر.
وتحريم الخمر: حكمته دفع الضرر عن الناس، غير أن الضرر أمر تقديري يختلف باختلاف الأشخاص، فجعل الإسكار الذي هو أمر ظاهر منضبط علة للتحريم بحيث يقاس عليه كل مسكر.
وتشريع القصاص من القاتل: حكمته المحافظة على حياة الأفراد، غير أن هذه الحكمة قد لا تتحقق أحيانا فجعلت العلة القتل العمد العدوان، باعتباره وسيلة لتحقق الحكمة السابقة.
ونظرا لخفاء حكمة التشريع أحيانا، وعدم انضباطها أحيانا أخرى قرر جمهور الأصوليين منع التعليل بالحكمة مطلقا، سواء أكانت خفية أم ظاهرة، منضبطة أم غير منضبطة، وحينئذ يلتمس للتعليل وصف ظاهر منضبط بدور مع الحكمة أو يغلب وجودها عنده، أي أن المطلوب هو أن يكون الوصف مظنة لتضمنه الحكمة، وعندئذ ينبني الحكم عليه ويرتبط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه، وهذا هو معنى قول الأصوليين: إن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته وجودا وعدما: أي أن الحكم يوجد حيث توجد علته، ولو تخلفت حكمته، وينتفي حيث تنتفي علته، ولو وجدت حكمته، فالسفر في رمضان مثلا علة تحيز الفطر وقصر الصلاة كما تبين، حتى وإن انتفت الحكمة، وهي المشقة، بأن كان السفر مريحا لا مشقة فيه، أما غير المسافر أو المريض: فلا يجوز له الفطر أو القصر، حتى وإن كان في عمله مشقة كالخباز والوقاد ونحوهما، لانتفاء علة الجواز، وهي السفر أو المرض، رغم أن الحكمة وهي المشقة موجودة، وبه يظهر أن الحكم الشرعي يرتبط بمظنة وجود العلة، وليس بالمئنة أي أنه يكفي حصول الظن الغالب بتوفر العلة، ولا يشترط تيقن وجودها، فالمظنة أقيمت مقام المئنة.
وهناك من الأصوليين من يجيز التعليل بالحكمة، وتكاد تنحصر مذاهب الجميع في ذلك في ثلاثة:
1 ـ مذهب جمهور الأصوليين فهم يرون أن التعليل بالحكمة غير جائز سواء كانت العلة ظاهرة أم خفية مضطربة أم غير مضطربة.
2 ـ مذهب جماعة من الأصوليين وهو اختبار الإمام الرازي والبيضاوي وابن الحاجب ومقتضاه جواز التعليل بالحكمة مطلقا.