ج ـ الإجماع: وهو أن بعض الصحابة قد ذم العمل بالقياس أو بالاجتهاد بالرأي، وسكت بقية الصحابة عن الإنكار عليه، فكان إجماعا، من ذلك أن أبا بكر سئل عن الكلالة المذكورة في قوله سبحانه"وإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ولَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ" [1] (وهو من مات ولا والد له ولا ولد) فقال أبو بكر رضي الله عنه: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي: أي بالقياس) [2] .
ونقل عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فأنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا) وقال أيضا: (إياكم والمكايلة، قيل، وما المكايلة؟ قال: المقايسة) .
وقال علي كرم الله وجهه: (لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهر) .
وقال ابن عباس رضي الله عنه: (يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم) .
وروي عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [3] ، قالوا: والفتوى بالرأي فتوى بغير علم.
وروي عن ابن مسعود مثل تلك الآثار [4] ، فهذه الآثار عن كبار الصحابة في إنكار القياس والعمل به، ولم يعارضهم أحد فيها، فكان إجماعا من الصحابة على أن العمل بالقياس منهي عنه.
وأجيب عنها بأن هذه الروايات معارضة بآثار أخرى عن هؤلاء الصحابة بالذات، مقتضاها مدح العمل بالقياس كما سيعلم في أدلة الجمهور، وحينئذ لابد من التوفيق والجمع بين ما تعارض من ذلك، وذلك بحمل الذم على القياس الفاسد الذي لم تتوفر فيه شرائط الصحة
(1) سورة النساء الآية: 12.
(2) أخرجه قاسم بن محمد، وهو منقطع (نصب الراية 4/ 64،تلخيص الحبير 4/ 195) .
(3) رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن ابن عمرو.
(4) الإحكام لابن حزم 2/ 786،780 وما بعدها، ملخص إبطال القياس 55 وما بعدها، أعلام الموقعين 1/ 53 - 60، روضة الناظر 2/ 240 وما بعدها، مجمع الزوائد 1/ 180،179 تلخيص الحبير 4/ 195.