فهذه الآية تنهى عن العمل بغير كتاب الله وسنة رسوله، والعمل بالقياس عمل بغيرهما، لأنه تقديم بين الله ورسوله، فكان منهيا عنه.
ومنها قوله سبحانه:"وأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" [1] "ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" [2] ، فهاتان الآيتان تنهيان عن إتباع الإنسان ما ليس مفيدا للعلم واليقين، والقياس إنما يفيد الظن، فكان المجتهد منهيا عن العمل به، وكون الحكم الثابت بالقياس مظنونا أمر معروف، لأنه يتوقف على العلم بأمور لا يقطع بوجوبها، كالعلم بالعلة في الأصل ووجودها في الفرع.
قوله عز وجل:"إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا" [3] فالظن لا يفيد في إفادة الحق، والقياس مفيد للظن، فلا يفيد في إثبات الحكم.
ومنها قوله تعالى:"وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" [4] على قراءة من قرأ الآية هكذا"ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"بالرفع على الابتداء وهي من القراءات الشاذة ذكرها النحاس في معاني القرآن [5] ، أما القراءة المتواترة في الآية فهي بجر وما بعدها عطفا على ورقة، ووجه الدلالة أن قراءة الرفع تجعل الجملة الأخيرة مستقلة لا تتعلق بقوله تعالى:"يعلمها"فتدل على المقصود وهو وجود كل الأحكام في القرآن الكريم، وأن المراد بالكتاب هنا: القرآن، الآية تفيد أن كتاب الله قد اشتمل على كل شيء، فلا حاجة حينئذ إلى القياس، وهو إنما يكون حجة إذا احتيج إلية، فلا يجوز العمل بالقياس، لأن شرطه فقدان النص، والآية بينت أن كل ما يحتاج إليه من الأحكام منصوص عليه في القرآن.
ويجاب عن استدلالهم بهذه الآيات:
أما الآية الأولى: فلا تمنع العمل بالقياس، لأن الله تعالى ورسوله أمر كل منهما بالقياس كما سيتضح ذلك من خلال سرد أدلة الجمهور، فالعمل بالقياس عمل بكتاب الله وسنة رسوله، فلم يكن تقديما بين يدي الله ورسوله.
(1) سورة الأعراف الآية: 33.
(2) سورة الإسراء الآية: 36.
(3) سورة يونس الآية: 36
(4) سورة الأنعام الآية: 59.
(5) جـ 2/ 427 وكذلك ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز 5/ 222، والقطبي جـ 7/ 8.