هذا وبعد سرد أدلة المنكرين للقياس في الشرعيات، وقبل أن نسوق أدلة المثبتين، يجدر بنا أن نعرج على شبة أوردها المنكرون ليتبين بطلانها وعدم تأثيرها على حجة القياس، فنقول:
لقد أوردها نفاه القياس إلى جانب أدلتهم على إنكاره شبها تشبثوا بها لإثبات مدعاهم من أن القياس تأباه الشريعة، ولو أقرته لكان فيها تفريق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات.
وها نحن نورد طرفا منها، كأمثلة تحتذي، ونقرن كل شبهة بردها، ناظرين في ذلك إلى ما كتبه ابن القيم في هذا الموضوع.
1 ـ فرض الشارع الغسل من المني، وأبطل الصوم بإنزاله عمدا وهو طاهر دون البول والمذي وهو نجس.
الرد: إن المني والبول ليسا متساويين كما زعمتم، بل بينهما فرق أوجب الاختلاف في الحكم، فخروج المني يحدث فتورا في الجسم، والاغتسال بعده يزيل هذا الفتور، وينشط الجسم، أما البول فهو ما فضل من الطعام والشراب، وحاجة الجسم إلى خروجه ضرورية بحيث لو بقى في الجسم لأضره.
وذلك يشهد له الحس ويقره الطب، فإن المني دم تحول في الجسم، وخروجه يضعف الجسم كخروج الدم من الإنسان، وإذا ظهر أن بين المني والبول فرقا بطلت شبهتهم المبنية على التساوي بينهما.
أضف إلى ذلك أن هناك فوائد مترتبة على الغسل من المني منها: أنه أنفع شيء للبدن والقلب والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال.
ومنها أن الغسل يخلف على البدن ما تحلل منه بخروج المني، ومنها أن الغسل يحدث نشاطا وخفة يذهبان ما أحدثته الجنابة من ثقل وكسل، ثم إن طهارة المني غير متفق عليها، فكثير من العلماء ذهب إلى أنه نجس.
2 ـ أن الشارع أوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها.
الرد: أن الحيض لما كان منافيا للعبادة لم يشرع فيه فعلها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاته في أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم, بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر وهو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض لم