فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 92

ووجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه قص علينا في سورة الحشر ما حل ببني النضير جزاء كفرهم وكيدهم لرسول الله والمؤمنين، كما يشير إليه أول الآية"هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا ..."الآية ثم أعقب هذا بقوله:"فَاعْتَبِرُوا"أي تأملوا فيما نزل بهؤلاء من العقاب، وسبب العقاب، واحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، فما جرى على المثيل، يجري على مثيله، مما يدل على أن المسببات تابعة لأسبابها، فحيثما وجدت الأسباب ترتب عليها مسبباتها، والقياس بهذا المعنى، فهو ترتيب المسبب على سببه، أينما وجد السبب.

وبعبارة أخرى، هي أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالاعتبار، ومعنى الاعتبار هو العبور والمجاوزة والانتقال من الشيء إلى غيره، والقياس أيضا مجاوزة بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأمورا به، والمأمور به يجب العمل به، لأن كلا من الاعتبار والقياس يشتركان في معنى العبور (أي المرور والمجاوزة) ، فيقال: جزت على كذا أي عبرت عليه، وعبر الرؤيا، جاوزها إلى ما يلازمها.

وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن المراد بالاعتبار في"فاعتبروا"الاتعاظ، وليس القياس، لأن الأول متبادر إلى الفهم عند إطلاق اللفظ، ولأنه مرتب على قوله سبحانه:"هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ" [1] فليس المراد من قوله"فاعتبروا"القياس الشرعي، إذ أنه لا يناسب صدر الآية، لأن معنى الآية يصبح حينئذ: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا مثلا الذرة على البر في تحريم الزيادة الربوية، وفي هذا غاية الركاكة فيصان كلام الباري عنه.

قال ابن حزم في كتابه:"إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل" [2] فأما قوله تعالى: (فاعتبروا) فلم يفهم أحد قط أن معنى (اعتبروا) قيسوا، والآية جاءت بعقب قوله: يخربون بيوتهم فلو كان معناه: (قيسوا) لكان أمرا لنا بأن نخرب بيوتنا كما أخربوا بيوتهم الخ ... وقال في الإحكام [3] :"وما علم أحد قط في اللغة التي نزل بها القرآن أن الاعتبار هو القياس،"

(1) سورة الحشر الآية: 2.

(2) ص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت