أي أن يكون هناك وصف اعتبر الشارع جنسه [1] في جنس الحكم، مثل الحيض في إسقاط الصلاة عن الحائض، فإن المجتهد أخذ يبحث عن علة هذا إسقاط، فرأى أن الوصف المناسب لذلك هو الحيض، نظرا لاشتماله على المشقة التي تنشأ من التكليف بإعادة الصلوات الكثيرة التي تمضي أثناء الحيض، فأقام الحيض مقام هذه المشقة الناشئة عنه، ثم أخذ يبحث عن شاهد يسانده من فروع الأحكام الشرعية، فوجد أنه جعل الحيض والسفر داخل تحت جنس واحد هو المشقة، وإن كلا من إسقاط الصلاة في الحيض، وقصر الصلاة وجمعها في السفر داخل في جنس واحد هو التيسير ودفع الحرج، فحينئذ تكون شهادة الشارع باعتبار السفر المتضمن للمشقة في القصر والجمع، شهادة باعتبار جنس هذا الوصف وهو (المشقة) لجنس الحكم الذي يبحث المجتهد عن علته وهو (التيسير ودفع الحرج) .
ومثاله أيضا: أن الصحابة أوجبوا حد القذف على شارب الخمر، لا لأن شارب الخمر قذف، ولكنهم أقاموا مظنة القذف وهو الشرب، مقام القذف باعتبار الشرب مظنة الكذب والافتراء، كما قال علي ابن أبي طالب، (أرى أنه إذا شرب هذى، وإذى أفترى، فيكون عليه حد المفترى) أي القاذف، ثم بحث المجتهد فوجد أن الشارع اعتبر المظنة في بعض الأحكام، كتحريم الخلوة بالأجنبية، فإنه مظنة لوقوع الحرام، وهو الوطء، فأقيمت الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم، لكون الخلوة مظنة له.
وبه يظهر أن الشارع اعتبر مطلق المظنة التي هي جنس لمظنة الوطء ومظنة الوطء ومظنة القذف في مطلق الحكم الذي هو جنس فيجاب حد القذف ولحرمة الوطء، واعتبار المظنة في الخلوة بالأجنبية، هو أنه شرع التحريم لها عند مظنة الوطء [2] , فيكون الشارع عندما اعتبر التحريم عند الخلوة كأنه اعتبر مطلق الحكم عند مطلق المظنة، وهو اعتبار الجنس في الجنس، والأصوليون من الحنفية والغزالي من الشافعية سموا هذا القسم بالمناسب الغريب.
وسمي نور الدين هذا النوع بالمناسب الملائم ممثلا له بالتعليل بالقتل العمد العدواني في حمل المثقل على المحدد في القصاص، فإن جنس الجنابة معتبر في جنس القصاص
(1) الجنس: هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، والنوع: الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، فكلمة (حيوان) جنس يدخل تحته الحيوان المتوحش والإنسان وكلمة (إنسان) نوع يدخل تحته أفراد مثل خالد وخديجة وعائشة .. الخ.
(2) نص الحديث في هذا (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم ولا تسافر المرآة إلا مع ذي محرم) رواه الشيخان عن أبن عباس (سبل السلام 2/ 183) وفي لفظ (ألا لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان) رواه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني، وفيه ضعيف (مجمع الزوائد 5/ 223) وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن عمر (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) جامع الأصول 7/ 427.