فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 92

ولا يصح عند الشافعية أن يكون الصغر هو العلة، وإلا لزم أن تكن الثيب الصغيرة مجبرة، وأن الولاية ثابتة عليها لوجود الصغر فيها، وهذا مناف للحديث وهو: (الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن، وإذنها صمتها) [1] ولفظ (الثيب) في الحديث يتناول الصغيرة والكبيرة، فيتعين أن تكون العلة في الإجبار هي البكارة [2] ، لا الصغر، ثم إن النكاح مما لا يتعلق به دفع حاجة الصغير، فلا يصلح الصغر علة للإجبار.

أما التقسيم غير الحاصر أو المنتشر: فهو الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات، مثاله: أن يقول الشافعية: علة حرمة الربا في البر، إما تكون الطعم أو القوت أو الكيل، وكل من القوت والكيل لا يصح أن يكون علة لعدم المناسبة أو النقض والتخلف في بعض الحالات، فتعين أن تكون العلة الطعم، فقياس على البر: الذرة والأرز اللذان لم يذكرا في النص، لأنهما مطعومان.

وأنت تلاحظ من تعريف السبر والتقسيم ومن هذه الأمثلة، أن عملية التقسيم وهي حصر الأوصاف التي يمكن أن تصلح للعلية مقدمة عند المجتهد على السبر، فالسبر يجيء بعدئذ، لأنه كما عرف هو اختبار هذه الأوصاف التي حصرها المجتهد لتعرف ما يكون منها صالحا للعلية بعد قيام الدليل على عدم صلاحية سواه، لهذا قال بعض الأصوليين [3] ، ومن الأجدر أن يسمى هذا الطريق التقسيم والسبر، لكني أرى ذلك، لأن الأهم والأدق في عملية إثبات العلة هو اختيار الأوصاف بإلغاء مالا يصلح منها للتعليل، فيقدم في اللفظ اعتناء بشأنه، مثاله، أن يقول المجتهد (تحريم الخمر بالنص إما لكونه من العنب، أو كونه سائلا، أو كونه مسكرا) ، لكن الوصف الأول قاصر، والثاني طردي غير مناسب، فبقى الثالث وهو الإسكار، فيحكم بأنه علة.

وعملية السبر والتقسيم يختلف المجتهدون في النتيجة الحاصلة منها، بسبب تفاوت عقولهم في إدراك أن المناسب هذا الوصف أو ذاك، فمثلا الحنفية والمالكية خالفوا الشافعية في المثال الربا السابق، فقال الحنفية: العلة في تحريم الأموال الربوية القدر (الكيل أو الوزن) مع اتحاد

(1) رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما (سبل السلام 3/ 119) .

(2) بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم النساء قسمين: ثيبا وبكرا، وأثبت الحق لأحدهما وهي الثيب، دل على نفيه عن الآخر وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها.

(3) راجع محاضرات في أصول الفقه للزفزاف 26 من بحث القياس، وقال الآسنوي في شرحه على المنهاج للبيضاوي 3/ 85 الأولى أن يقدم التقسيم في الفظ، فيقال: التقسيم والسبر، لكونه متقدما في الخارج، أي في الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت