فإن كان حكم الأصل ثابت بالإجماع فالراجح أنه يصح القياس عليه، لأن الإجماع دليل على الأحكام الشرعية كالكتاب والسنة، فيصح أن يعدي الحكم الثابت به، كما يصح تعدي الحكم الثابت بواحد منهما، ويمكن إدراك العلة وإن لم ينص على سند الإجماع، لأن لها طرقا أخرى تستفاد منها كالمناسبة بين الحكم وأمر من الأمور الموجودة في المحل، وذلك بالبحث في محل الحكم على معنى يناسبه ويلاءم الشريعة، فإذا وجدنا معنى من المعاني المناسبة جعلناه علة الحكم مثل ثبوت الولاية للأب في التزويج بالنسبة لابنته البكر الصغيرة، فإنه حكم ثابت بالإجماع ولم يذكر الدليل الشرعي لهذا الإجماع، ومع هذا أمكن إدراك العلة، وهي الصغر بطريق المناسبة الموجودة بين الصغر وولاية التزويج، وبناء على هذا يصح أن يقال الثيب الصغيرة يزوجها أبوها كما يزوج البكر الصغيرة بجامع الصغر في كل، أما إذا كان حكم الأصل ثابتا بالقياس فلا يصح تعديته إلى محل آخر عند غالب العلماء، لأن العلة إن أتحدث في القياسين، كان القياس الثاني ضائعا، مثال ذلك إذا قيس الأرز على الحنطة في حرمة الربا بعلة الكيل والجنس ثم أريد قياس الذرة على الأرز، كان ذكر الأرز ضائعا ولزم القياس على الحنطة للاتحاد في العلة، بين القياسين وإن اختلفت العلة في القياسين لم يصح القياس لانتفاء علة حكم الأصل في الفرع فإذا قسنا الأرز على الحنطة في حرمة الربا بعلة الكيل ثم قسنا التفاح على الأرز في حرمة الربا أيضا، فإن العلة في التفاح الطعم عند الشافعي، وفي الأرز الكيل فلم توجد علة الفرع في الأصل المقيس عليه ويكون هذا قياسا لأن ركن القياس العلة المشتركة بين الأصل والفرع قد زال، والشيء لا يبقى بعد زوال ركنه.
4 ـ ألا يتغير حكم الأصل في الفرع فإذا قلنا ظهار الذمي كظهار المسلم كان هذا قياسا فاسدا لأن حكم المقيس عليه، وهو ظهار المسلم يتغير في المقيس.
وبيان ذلك أن حكم ظهار المسلم حرمة الوطء حرمة مؤقتة تنتهي بالكفارة قال تعالى:"والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" [1] .
فهذا الحكم وهو حرمة الوطء المؤقت لا يوجد بعينه في الفرع لأن حرمة الوطء لا تنتهي إلا بالكفارة، والكافر ليس أهلا لها لكونها عبادة، فحرمة الوطء مؤبدة بالنسبة لظهار الكافر، وبذلك يتضح أن حكم المقيس عليه تغير في المقيس لأن الحكم في المقيس عليه الحرمة
(1) سورة المجادلة الآية: 3.