فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 76

أمرنا وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإِنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمعن منه شيئًا ))

يقول الطفيل:- فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه حتى حشوت أذني ))

بل كانوا يددون من يسمع منه ويقترب منه وقصة اسلام أبي ذر الغفاري تشهد لذلك وقصته في صحيح البخاري في مواطن منها باب اسلام أبي ذر.

لكن قد لا يكون الغباء لكن اضلال الله لهم، فإن العاصي لربه، والكافر به غير مهدي، إذ مهما أتقن أمره فإن كيد الله تعالى له بالمرصاد، وههنا أضلهم الله تعالى وأتوا بإبراهيم عليه السلام على أعين الناس لعلهم يشهدون.

أما سبب هذا الغباء والاضلال فهو الحقد الأعمى، والغيظ اللذان يملآن القلوب، والغرور الذي يدفع صاحبه لتجاوز السنن ظانًا أنه اقوى منها.

إنهم أرادوا أن يرى الناس قدرتهم على البطش وأخذ المخالف، وأن يرتدع الشاهد فلا يمدح لابراهيم عليه السلام فعله.

ويمكن -وهو بعيد- أن يظهروا عدلهم في تقرير الحكم الذي سيأخذونه ضد المتهم.

أحضر ابراهيم عليه السلام وبدأ الاستنطاق:-

(( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم ) )

هذا استنطاق كان ممنزوجًا بالترهيب كما قال تعالى (( فأقبلوا إليه يزفون ) )أي مسرعين، فهم يتعادون عدوًا ليحضروه، ومن جاء لخصمه على هذه الحالة فلن يأخذه آمنًا هانئًا، بل سيشده شدًا سريعًا إلى حيث الطلب.

أما ذكرهم لاسمه فهو استدراج منهم أن يقول: نهم. فهي كلمات أقرب للين داحل الترهيب، وهذا أسلوب معلوم للقوم المجرمين، حيث تصنع اجواء الرعب والخوف، ثم يُلَيَّن الكلام استنزافًا للمسؤول حتى يقول لا يريده خصمه، فهو رعب مع لين ملمس، كما هو شأن الأفعى.

فرد ابراهيم عليه السلام:- (( بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينظقون ) ).

هذا جواب رجل ثابت الجأش، قوي الفؤاد، حاضر الحجة، متمكن من خصمه رغم كل الحال الذي يحيط به وحيدًا أمام جموع الملأ المجرم العاتي، وأمام العيون المصوبة إليه من الحشود التي تراقب.

إن الأكبر الأجوف الأخرس قائم مكانه في صدر المكان المدنّس بالرجس.

إنه الفاعل له 1 ا الأمر!!

فإن أردتم الدليل:- فاسئلوهم إن كانوا ينطقون.

في هذا جمع للباقي الأخرس، والمحطم الذاهب المفتت، فكلاهما في باب الفعل سواء، فإن كان الكبير لا يكسر ولا يحطم، فإن جاله في بقائع على صورته صنمًا لا تختلف عن حال المحطم إلى حجارة، فهذا الصنم الباقي لا يفعل حتى في صورته، وهذا المحطّم الذاهب لا يتكلم حتى من آلام جراحه بعد تكسيره، ولا من فعل به هذا الفعل.

الحق كان في القوم بقية عقل وإدراك لأنهم (( فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت