أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السلف، وإني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور».
وقد تناقلت كتب خصوم الأشاعرة أقوال الجويني هذه بقصد الحط من منزلته العلمية بخاصة، وللنيل من المذهب الأشعري بعامة، فقد فهم من هذه النقول أن إمام الحرمين قد أدار ظهره للإسلام، وفهم أهل الظاهر لقضاياه، وسار في طريق وعر لا مكان فيه إلا لما أثبته العقل، وهوطريق الفلاسفة.
كذلك فهم خصوم الجويني والأشاعرة من هذه الأقوال، أن الجويني قد أدرك في نهاية حياته العلمية، فساد ما قضى معظم حياته يدافع عنه، وهوالمعتقد الأشعري، لذا رجع إلى صحة المعتقد المتمثل بمذهب أهل السلف، والمنعكس في بساطته بالسلوك الديني للعجائز.
وقد دافع السبكي عن الإمام الجويني، وحاول رد هذا المطعن، مبينا أن إمام الحرمين لم يقصد في أقواله هذه، الرجوع عن الفهم الأشعري للصفات الإلهية وفق المنهج التأويلي لها، إلى الاعتقاد بهذه الصفات على مذهب أهل الظاهر، لأن ذلك يؤدي إلى التجسيم 1، والأحرى تفسير ذلك؛ بأن الإمام أراد في أقواله هذه فهم الصفات على ظاهرها، مع تنزيه صفات الخالق عن صفات المخلوقين 2.
لكن السبكي وإن تمعر في الدفاع عن الجويني، إلا أن ما قاله لا يقوى أمام ما ذكره الجويني في العقيدة النظامية، إذ يقول: «ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا، وندين به عقلا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع» 3.
وفي نص آخر يقول: «وإذا انصرم عصرهم-يعني عصر الصحابة- وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع،
1)السبكي، طبقات الشافعية ج 5 ص 191، 192.
2)المصدر نفسه ج 5 ص 191.
3)انظر ص 166.