لاحتراقه في نفسه وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار» 1. فكأن الفترة التي أمضاها في مكة بين الصفا والمروة كانت فترة ممارسة الأحوال الصوفية، ليرتقي بنفسه بين مقاماتهم وما يترتب عليها من أحوال 2. ويمكن أن يكون تصوف الجويني مؤثرا في سير تلميذه الغزالي على هذا الطريق في ختام حياته الفكرية.
مما سبق يتبين لنا أن إمام الحرمين كان عالما موسوعيا، تمكن من ثقافة عصره عمقا واتساعا، وأغناها بآرائه الفقهية والأصولية.
*أخلاقه ومناقبه:
اتصف الجويني بالعديد من الصفات الخلقية الحميدة، والمناقب العالية، التي تجعله مثال العالم بحق. وقد كان للتربية الصالحة التي عاشها الجويني في كنف والده، أثر عظيم في تهذيب نفسه، وتخلقه بالآداب الرفيعة، فقد حرص الشيخ أبومحمد على أن يوفر لابنه عبد الملك بيئة أسرية محصنة بالمعايير والمبادئ الإسلامية، ويظهر ذلك واضحا في موقف الوالد من المصة التي رضع فيها إمام الحرمين من جارية الجيران، وإنكاره ذلك، وحمل ابنه على التقيؤ ليتخلص من شبهة الحرام التي لحقت بهذه المصة 3.
وسار الجويني على طريقة حميدة من أول عمره إلى آخره، وكان عاشقا للعلم محبا للعلماء، ويطلب العلم للعلم والعمل، ففي العلم والتعلم كان يجد نفسه ومتعته. وكان من شدة تواضع الجويني لأصحابه وتلامذته أنه كان لا يجد ضيرا أوحرجا في التعلم منهم، ومن صور هذا التواضع: أخذه عن تلميذه أبي نصر القشيري مسائل الحساب في الفرائض والدور والوصايا 4، وقراءته بعد ما اشتهر وذاع صيته لكتاب إكسير الذهب في صناعة الأدب على مؤلفه أبي الحسن المجاشعي 5 (452 ه/ 1060 م) ، وحمله سرج دابة أبي
1)طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة ج 2 ص 299.
2)فوقية حسين، الجويني ص 39.
3)انظر ص 60.
4)ابن عساكر، تبيين كذب المفتري ص 308.
5)ابن العماد، شذرات الذهب ج 3 ص 359.