هذا الخلاف الذي حصل بين أشاعرة نيسابور، لكن الرحلة ثابتة، والخلاف قد حصل. ويمكن أن يكون ما ورد في ترجمة أبي القاسم الدبوسي (482 ه/ 1089 م) توضيحا لهذا الخلاف، فقد ذكر فيها أن الدبوسي هذا قد تكلم «مع أبي المعالي الجويني بنيسابور في مسألة، فآذاه أصحاب أبي المعالي، حتى خرجوا إلى المخاشنة، فاحتمل الدبوسي وما قابلهم بشيء، وخرج إلى أصبهان، فاتفق خروج أبي المعالي إليها في أثره في مهم يرفعه إلى نظام الملك، فجرى بينهما مسألة بحضرة الوزير نظام الملك، فظهر كلام الدبوسي عليه، فقال له: أين كلابك الضارية» 1. والمعروف أن أبا القاسم الدبوسي من الشافعية الأشاعرة، لذا يمكن تفسير الفرقة التي حصلت بين الأصحاب التي أشار إليها السبكي، بالتوتر الذي حدث بين أبي المعالي الجويني وتلامذته من جهة، والشيخ أبي القاسم الدبوسي من جهة أخرى.
*ثقافة الجويني:
لم تقتصر ثقافة إمام الحرمين عما أخذه من العلماء والمشايخ الذين تتلمذ عليهم، وإنما أدرك بذكائه الحاد، وذهنه الوقاد، أهمية التعلم والقراءات الذاتية في حياة العالم، وخير شاهد على ذلك، قوله عند ما درس الأصلين على أبي القاسم الإسفراييني: «كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة وطالعت في نفسي مائة مجلدة» 2. ويقول في موضع آخر: «ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر [الباقلاني] وحده اثني عشر ألف ورقة» 3.
كذلك يبين مزاحه مع تلميذه الغزالي (505 ه/ 1111 م) هذا المنهج عند الجويني، فيحكى أنه قال يوما للغزالي: يا فقيه، فرأى امتعاض الغزالي من هذا النعت، وكأنه رأى فيه تحقيرأ لمنزلته العلمية، فبادره الجويني قائلا:
«افتح هذا البيت، ففتح مكانا وجده مملوءا بالكتب، فقال له: ما قيل لي يا
1)السبكي، طبقات الشافعية ج 5 ص 297، ولم أجد هذه الرواية في الأنساب للسمعاني.
2)السبكي، طبقات الشافعية ج 5 ص 175.
3)المصدر نفسه ج 5 ص 185.