فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 209

باب قول الله:"قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا"

حديث:"أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام"

47 -باب قول الله -تعالى-: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها، وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به، وأعطيتم القرآن فعملتم به وقال أبو رَزِين يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ يتبعونه، ويعملون به حق عمله يقال (يتلى) يقرأ حسن التلاوة، حسن القراءة للقرآن (لا يمسه) لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن لقوله -تعالى-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الإسلام والإيمان والصلاة عملا.

قال أبو هريرة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبلال: أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، قال: ما عملت عملا أرجى عندي، أني لم أتطهر إلا صليت وسئل أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد، ثم حج مبرور .

الشرح:

المقصود من هذه الترجمة بيان أن تلاوة القرآن على قسمين:

1 -تلاوة لفظية.

2 -تلاوة حكمية: والمقصود بها العمل به، قال -تعالى-: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أي: يعملون به حق عمله. وليس المراد هنا التلاوة اللفظية؛ لأنه قال بعد ذلك: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فدل على أن المراد العمل به.

وكلا القسمين من التلاوة منسوب إلى الإنسان، فهو عمله؛ لذلك قال -تعالى-: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا أي: اقرءوها، فهذا عملهم نسبه إليهم. وسبب نزول هذه الآية أن اليهود ادعوا أن الله حرم عليهم لحوم الإبل، فأكذبهم الله فأنزل قوله: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا .

قوله: قال -صلى الله عليه وسلم-: (أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها، وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به، وأعطيتم القرآن فعملتم به) فأضاف العمل إليهم، فدل على أن الأعمال تنسب إلى العبد خيرها وشرها، ويثاب على حسنها ويعاقب على سيئها، وفيه الرد على الجبرية القائلين: إن الأفعال أفعال الله، فالله هو المصلي والصائم، وإنما تنسب إلى العبد على سبيل المجاز أما العبد فلا فعل له، وفيه كذلك الرد على المعتزلة القائلين: إن القرآن مخلوق، فلم يفرقوا بين القراءة وبين المقروء.

فالقراءة فعل القارئ، والمقروء كلام البارئ.

قوله: (قال أبو رَزِين يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ يعملون به...) ففسر التلاوة بالعمل، فالقراءة تفسر بالعمل به، وهي القراءة الحكمية، وتفسير بالقراءة اللفظية، والمهم والغاية هو التلاوة العملية، أي: العمل به، والتلاوة اللفظية وسيلة إلى العمل به.

فهذه الترجمة فيها بيان أن التلاوة بنوعيها عمل العبد، وهي منسوبة إليه، وليست من عمل الله تعالى.

قوله: (حسن التلاوة للقرآن..) هذا يدل على أن التلاوة عمل العبد، يقال: حسن التلاوة ورديء التلاوة، فهذا وصف له وعمل له، وليست أفعالا لله. قوله: ( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا يجد طعمه ونفعه...) أي: أنه فسر لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ بأنه لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، وهذا تفسير باللازم، أي: تفسر بالقياس الجلي، والمعنى أنه لا يمسه بيده إلا المتطهر هذا الأصل، لكن هنا فسره أنه لا يجد نفعه إلا المؤمنين، فإذا كان القرآن لا يمسه إلا المتطهر من الأحداث، وغير المتطهر لا يمسه، فمن باب أولى أنه لا يجد نفعه إلا المؤمن، ففسره بقياس الأولى؛ ولهذا قال تعالى: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى فدل على أنه لا يجد طعم ونفع القرآن إلا المؤمن وهذا عمله.

قوله: (ولا يحمله بحقه إلا الموقن) بحمله: أي: عمل به، والمعنى أنه لا يعمل بالقرآن إلا الموقن الذي عنده اليقين، ولولا يقينه وإيمانه الراسخ لما عمل به، فعمله به دليل على يقينه وصدقه وإخلاصه وإيمانه.

قوله: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا لم يحملوها: أي: لم يعملوا بها، فالذين حملوا التوراة الزموا بالعمل بها، فلما لم يعملوا بها صاروا كالحمار الذي يحمل على ظهره أسفارًا، وهي الكتب، ولا ينتفع بها.

وبئس المثل مثلهم؛ لأن الله شبه اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة بالحمار، الذي لا يستفيد من الكتب التي على ظهره.

قوله: (وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الإسلام والإيمان والصلاة عملا) وذلك لأن الإسلام الإيمان والصلاة عمل الإنسان، فالصلاة فيها ركوع وسجود... إلخ وهذه أعمال، والإيمان تصديق بالقلب وعمل بالجوارح، وهي من عمل الإنسان، فدل على أن عمل الشخص منسوب إليه

قوله: (قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبلال أخبرني بأرجي عمل عملته...) فالشاهد أنه نسب العمل إليه، فالعمل هنا عمل بلال ينسب إليه، والأعمال أعمال العباد يثابون على حسنها، ويعاقبون على سيئها، قوله: (أني لم أتطهر إلا صليت) يفيد أنه يشرع للمسلم إذا توضأ بليل أو نهار أن يصلي بهذا الوضوء، وهي سنة الوضوء، حتى ولو كان في وقت النهي على الصحيح؛ لأن لها سبب، وذوات الأسباب مستثناة من النهي عن الصلاة في أوقات النهي.

قوله: (أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله...) الشاهد قوله (أي العمل أفضل) فدل على أن ما ذكر من أفعال العباد.

والمؤلف -رحمه الله- أراد أن يرد على الجبرية والجهمية الذين يتزعمهم الجهم بن صفوان والذي قد اشتهر بعقائد أربع فاسدة:

1 -العقيدة الأولى: نفي الصفات.

2 -العقيدة الثانية: القول بالجبر، وأن الإنسان مجبور على عمله، وأن الأفعال أفعال الله.

3 -العقيدة الثالثة: القول بالإرجاء، أي: القول بأن الإيمان مجرد المعرفة بالقلب، والأعمال ليست من الإيمان، فالإنسان إذا عرف ربه بقلبه، فهو موقن عند الجهم وعلى هذا يكون فرعون مؤمن على رأي الجهم وإبليس عنده مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه.

4 -العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار جميعًا.

وأمر الجبرية ظاهر ومنتشر؛ ولذلك ركز البخاري -رحمه الله- في الرد عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت