باب قول الله:"كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ"
حديث:"إن الله يحدث من أمره ما يشاء"
42 -باب قول الله -تعالى-: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ وقوله -تعالى-: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله -تعالى- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة .
الشرح:
قصد المؤلف بهذه الترجمة أن يبين أن كلام الله صفة من صفاته وأن نوعه قديم، وإن كانت أفراده حادثة قال سبحانه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ومن ذلك أن الله -تعالى- يتكلم بما شاء، ويخلق -سبحانه وتعالى- بالكلام كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فيخلق -سبحانه- ويرزق، ويعافي، ويمرض، ويعز، ويذل، ويشقي، ويسعد، فالترجمة فيها إثبات الكلام لله -عز وجل- وأنه حادث ومحدث بمعنى، جديد قال -تعالى-: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ في سورة الأنبياء، وفي سورة الشعراء وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ .
وحدث الله ليس كحدث المخلوق، فالمخلوق حدثه مخلوق، وأفعاله مخلوقة، أما الخالق -سبحانه- فحدثه صفة من صفاته، بمعنى أن الله -تعالى- إذا تكلم فكلامه صفة من صفاته، فهو يتكلم بما شاء متى شاء إذا شاء، ويحدث -سبحانه- من أمره ما يشاء، واستدل المؤلف بقوله -تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ على أن حدث الله ليس كحدث المخلوق، وفيه أن القرآن محدث أي: أنه حديث عهد بربه، فهو أحدث الكتب عهدًا بالله عز وجل. والعجيب أن كثيرًا من أهل البدع يقولون في قوله -تعالى-: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ يقولون: ليس المقصود بالمحدث هنا كلام الله بل - صلى الله عليه وسلم - هو المحدث، وبعضهم يقول: محدث بالنسبة إلى الرسول وبالنسبة إلينا؛ لأنه لما نزل على الرسول صار محدثًا له والينا، أما بالنسبة إلى الرب، فليس بمحدث؛ لأن الله تكلم به قديمًا، وكلامهم هذا قالوه حذرًا بزعمهم أن يحدث الكلام في ذاته -سبحانه وتعالى- لأنه يلزم من ذلك أن يكون مخلوقًا، والمحدث والمخلوق شيء واحد، وهذا باطل، فكل كلام هؤلاء فرارًا من إثبات أن كلام الله يتعلق بقدرته ومشيئته.
والترجمة فيها الرد على الأشاعرة والكلابية الذين يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وأنه لا يتكلم إذا شاء. ويقول الأشاعرة كذلك: إن القرآن نوعًا واحدًا هو المعنى القائم بالنفس، لكن التي تختلف العبارات إن عبر عنه بالعبرانية لغة اليهود فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية لغة النصارى فهو الإنجيل، وإن عبر عنه بالعربية، فهو القرآن، وإن عبر عنه بالداودية لغة داود، فهو الزبور، أما الكلام فواحد، لكن يوصف بأوصاف كالخبر والأمر والنهي والاستفهام، فهذه عندهم أوصاف، وليست أنواعًا كما أن الإنسان يوصف بأوصاف، فأنت توصف بأنك أب بالنسبة لأبنائك، وعم بالنسبة لأبناء أخيك، وخال بالنسبة لأبناء أخواتك، وأنت واحد لك هذه الصفات.
فكذلك القرآن يوصف بأنه أمر أو نهي... إلخ وإلا فهو واحد، وكونه توراة وإنجيل وقرآن هذا من اختلاف العبارات وتنوعها.
وفيه الرد على السالمية الذين يقولون: إن الله لم يزل، ولا يزال يتكلم، فيقولون: لم يزل في الأزل يقول: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ لأنهم يقولون: لو قلنا: إن الله يتكلم بعد مجيء المجادلة للزم في ذلك الحدث في ذاته، فهم يقولون كما يقول أهل السنة إن الكلام بحرف وصوت، لكن لا يقولون: إن الكلام يتعلق بقدرته ومشيئته، بل كلامه مستمر ولا يتكلم إذا شاء، بل الكلام لازم لذاته، وإن كان بحرف وصوت، فالرب عندهم منذ الأزل يتكلم، ولا تكون أفراده حادثه، بل هو مستمر، وقولهم هذا -لا شك- أنه باطل.
وكذلك الترجمة فيها الرد على الفلاسفة الذين يقولون: إن كلام الله فيض فاض من العقل الفعال، وفيه الرد كذلك على الكرَّامية الذين يقولون: ليس نوع كلام الله قديم، بل كان الكلام ممتنعًا على الله، ثم انقلب فجأة ممكنا ويقولون: الكلام له أول وبداية، وكلامهم هذا باطل؛ لأن الصواب أن كلام الله نوعه قديم وأفراده حادثة. والبخاري -رحمه الله- أطال التراجم في مسألة كلام الله -تعالى- لاشتداد النزاع فيها بين أهل السنة وغيرهم من أهل البدع؛ ولأن فيها ما يقرب من خمسة عشر قولا في بيان ما هو كلام الله.
قوله:"إن الله يحدث من أمره ما يشاء"... هذا دليل على أن كلام الله -تعالى- أفراده حادثة، فالله -تعالى- أنزل هذا وحيًا إلى نبيه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه إلى الأمة.
فائدة:
كثير من الشراح تأولوا هذه المسألة وغيرها بتأويلات باطلة، وهم من العلماء الكبار، وإن كان قصدهم الخير؛ لأنهم ظنوا أن هذا هو تنزيه الرب تبارك وتعالى، وسبب ذلك أنهم لم يوفقوا إلى ما يبين لهم معتقد أهل السنة والجماعة في سن الطلب، فنشئوا على هذا. وهذا يفيد طالب العلم الحذر مما وقع فيه هؤلاء العلماء الكبار، مع كثرة علمهم وعلو مكانتهم في زمانهم.