فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 209

حديث فيه بيان واسع رحمة الله وأن العبد يعذر بجهله

7508 - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود حدثنا معتمر سمعت أبي، حدثنا قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر رجلا فيمن سلف - أو فيمن كان قبلكم - قال كلمة يعني: أعطاه الله مالا وولدًا، فلما حضرت الوفاة قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر -أو لم يبتئز- عند الله خيرًا، وإن يقدر الله عليه يعذبه، فانظروا إذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا، فاسحقوني -أو قال فاسحكوني- فإذا كان يوم ريح عاصف، فأذروني فيها. قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا ثم أذروه في يوم عاصف فقال الله -عز وجل- كن، فإذا هو رجل قائم قال الله: أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: مخافتك، أو فَرَق منك، قال: فما تلافاه أن رحمه عندها وقال مرة أخرى: فما تلافاه غيرها فحدثت به أبا عثمان فقال: سمعت هذا من سلمان غير أنه زاد فيه: أذروني في البحر، أو كما حدث، حدثنا موسى حدثنا معتمر وقال: لم يبتئر، وقال خليفة حدثنا معتمر وقال: لم يبتئز، فسره قتادة لم يدخر .

الشرح:

قوله: (لم يبتئر) أي: لم يعمل خيرًا قط، وجاء في بعض الروايات أنه كان نباشًا للقبور، قوله: (فاسحقوني، أو فاسحكوني) من السحق، ومن السحك، وفي رواية (فاسحلوني) وكلها بمعنى واحد، والمعنى أنه يحرق، ثم يطحن، ثم يذر في الأرض، قوله: (فإذا كان يوم ريح عاصف) قال ذلك، حتى تزيل الريح ذراته.

قوله: (لم يدخر) أي: لم يدخر خيرًا.

وهذا فيمن كان قبلنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره وأقره، واختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إن هذا كان في شرع من قبلنا، وإن هذه الأمة لا يشملها هذا، وقيل غير ذلك لكن أصح ما قيل فيه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا الرجل خفي عليه هذا الأمر، وظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة، وهو أنه إذا أحرق، وسحق وذر في الأرض أنه يفوت الله -عز وجل-، والذي حمله على ذلك أمران:

1 -شدة الخوف من الله، عز وجل.

2 -جهله وعدم علمه بالله، عز وجل.

فغفر الله له وعذره، بخلاف ما لو كان عالمًا وفعل ذلك، عن عمد فإنه لا يعذر؛ لأنه أنكر قدرة الله -تعالى- وأنكر البعث، لكن هذا لم ينكر البعث، ولم ينكر قدرة الله -عز وجل- بل هو يعلم أن الله -تعالى- يقدر، ويعلم أن الله يبعثه لو مات، لكنه ظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة، وهو مذرور في البر والبحر، أنه يفوت على الله -عز وجل-، كما أن الإنسان إذا هرب من ملك من ملوك الدنيا في البحر، أو البرية يظن أنه يفوت عليه. فاستدل به العلماء على أن الإنسان إذا أنكر شيئًا خفيًّا من الأشياء الخفية الدقيقة التي مثله يجهلها أنه يكون معذورًا كمثل إنسان أسلم في بلاد بعيدة، وأنكر تحريم الخمر، أو إنسان أسلم في مجتمع ربوي، والناس يتعاملون بالربا، ثم أحل الربا، فهؤلاء لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة.

ويشترط في هؤلاء أن تبلغهم الحجة، وأن يعلموا أن هذه حجة، وأنها دليل، وإن لم يفهموها فهمًا كاملا، كما قال -تعالى-: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا فهؤلاء قامت عليهم الحجة، ولا فهموها، ولم يعذرهم الله -تعالى- وقال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ وقال سبحانه: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ومع ذلك لم يعذرهم الله -عز وجل-، فهؤلاء لم يفهموا من الحجة إلا كما يسمع الراعي حينما ينعق بالغنم، فالغنم تسمع الصوت، فسماع الصوت للغنم، مثل سماع هؤلاء للحجة، ولا يشترط الفهم.

وهذا الرجل لم ينكر القدرة، إنما أنكر كمال تفاصيل القدرة، وهم لم تقُم عليه الحجة، وحمله على ذلك الجهل والخوف العظيم، فغفر الله -تعالى- له. أما المعاند والمكابر، أو من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، وهو بين المسلمين، فلا يقبل منه عذره.

الشاهد قوله: (قال الله(كن) ففيه إثبات القول لله، وأن الله -تعالى- يتكلم، وأن الكلام صفة من صفاته، قائم بذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت