قال ذلك وأيمن ليس بالمشهور المكثر. فكيف إذا تفرد راوٍ مختلف فيه، عن مثل الزهري وقَتادة ونحوهما من الحفَّاظ المكثرين، فكلام أبي حاتم وغيره فيه من باب أولى.
وقد يقبل التفرد لسبب آخر.
قال ابن رجب: «مما يستدل به الأئمة كثيرًا على صحة رواية من انفرد بالإسناد، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة» [1] .
ومعنى هذا أن يكون في لفظ الحديث من الغرابة ما تجعل كونه مرفوعًا بعيدًا، حيث إنَّ حفَّاظ الحديث لكثرة ممارستهم لهذا العلم، تكون لديهم ملكة قوية في فقه المتون وعادة النصوص النبوية لفظًا ومعنىً.
ومن شواهد ذلك حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّما سمِّي البيت العتيق لأنه عتق من الجبابرة» [2] ، أرسله معمر ووصله غيْره، فأعله أبو حاتم الرَّازي بقوله: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوع» [3] .
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: «خير الجيوش أربعة آلاف ... » [4] ، قال أبو حاتم: «مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام [أن] يكون كلام النَّبي - صلى الله عليه وسلم -» [5] .
وقال أيضًا في حديثٍ: «ولا أحسبه إلا وهم، يشبه كلام الزُّهري» [6] .
(1) شرح العلل (2/ 720) .
(2) أخرجه البخاري في الكبير (1/ 201) والبزار في مسنده (2215) من حديث عبد الله بن الزبير.
(3) العلل لابن أَبي حاتم (1/ 275) .
(4) أخرجه الترمذي في جامعه (1555) وأعله بالإرسال.
(5) العلل لابن أَبي حاتم (1/ 347) .
(6) العلل لابن أَبي حاتم (1/ 380) .