الفصل الثالث
ما بعد ياسين (سين حرب) ــــ أسرحدون يتابع المسيرة ذاتها
كانت تدور في ذهن أسر حدون منذ زمن طويل فكرة القضاء على عدوه الرئيس تهراقا ملك الحبشة الذي أحكم سيطرته على مصر واستطاع أن يجمع حوله كل أعداء الدولة الآشورية من ملوك وأمراء في فلسطين وسوريا وفينيقية وتحريضها ضد الأشوريين. وكان هؤلاء يترقبون الفرصة المناسبة للتخلص من حكم آشور ونفوذها.
وبعد أن تمكن العاهل الآشوري من فرض هيبته على الساحل السوري توجه إلى محاربة تهراقا في مصر؛ وفي طريقه إليها قضى على أشد خصومه السوريين وهو (عبد ملكوت) ملك صور الذي هرب إلى البحر كما يذكر آسرحدون في كتاباته الملكية بعد أن أخضع صيدا لسيطرته.
وبذلك يكون آسرحدون قد أحكم قبضته على سورية كلها و على القبائل العربية المتمردة واستطاع أن يلحق بالقوات المصرية التي يقودها تهراقا هزائم متتالية أرغمته على الإنسحاب جنوبا، فلاحقه آسرحدون واستولى على مدينة منف، ثم لم يلبث أن انسحب منها عائدا إلى بلاد الشام.
واصل آسرحدون في الشمال والشرق فتوحاته للقضاء على أعدائه من القبائل المتحكمة في كل من إيران و جبال القفقاس وخلد آسرحدون فتوحاته كتابة في نقوش بارزة على عدد من المسلات الضخمة التي نصبها تخليدا لذكراه؛ وقد كشف منها في تل بورسيبا (تل الأحمر) اثنتان وهما معروضتان في متحف حلب. كما عثر على أخرى في زنجرلي في جنوب تركيا تكاد تكون صورة طبق الأصل عن مسلتي تل بورسيبا وهي معروضة في متحف الآثار الشرقية القديمة في متاحف الدولة في برلين. وفي المسلة صورة الملك نفسه عملاقا يركع أمامه تهراقا ملك الحبشة وملك صور طالبين الرحمة منه و حجمها في المسلة لا يتجاوز ثلث حجم الملك مشدودين إلى يده بحبل من منخريهما.