الفصل الأول
التمييز بين يهوذا السبط وبين اليهودية الدين
درجت عادة الباحثين على الخلط بين يهوذا كمبتدع للتسلط السياسي، وبين اليهودية كدين مساعد لهذا التسلط.
وبتتبع تاريخ بداية هذا المنهاج الذي كشف عنه القرءان الكريم في قصة يوسف سلام عليه، فإن المدونات الأدبية الإسرائيلية واليهودية ترجع بهذا التاريخ إلى مرحلة أقرب كثيرًا جدًا من تاريخ يوسف، تبدأ بمرحلة الإنشقاق عن مملكة سليمان النبي الملك، سلام عليه، من أجل الإستيلاء على السلطة السياسية والأموال الوقفية العائدة للمجتمع الإسرائلي كله، والإستئثار بها، وتوزيعها وفق أهواء تلك السلطة.
قد تكون قصة حسدهم لأخيهم يوسف وأخيه، المذكورة عندهم كذلك، ناشئة من شعور مسبق بالحرمان من البركة النبوية ــــ الدينية ـــــ التي بدت أنها ذاهبة دونهم إلى أخيهم يوسف، سلام عليه، ولذلك تآمروا عليه لقتله والتخلص منه. أما الإنقاق والثورة بعد سليمان النبي الملك سلام عليه، فقد كانا ذا طابع سياسي وسلطوي لا يكترث للدين إلا بالقدر الذي يحقق لهم هذا التسلط. ولهذا السبب نجدهم يشتمون سليمان وينسبون إليه كل الموبقات والإهانة باسم الدين، ليس احترامًا منهم لقيمة الدين بقدر ما هو استثارة لمشاعر المتدينين المؤمنين من بني إسرائيل.
غير أن اللافت في العهد الباب إيلي القديم هو استخدامه لقاعدة أساسية سليمة في الخبر تكون مقبولة من بني إسرائيل، ثم إسقاط أحداث تاريخية بعيدة جدًا عن تاريخ تلك القاعدة الأساسية، وإسقاطها بصورة مصغرة على واقع تاريخي قريب، بتحميله ذات الإسم وذات الصفات الموجودة في القاعدة الأساسية.
من ذلك مثلًا: عندما يستخدم العهد القديم إسم نوح والطوفان، فهو يشير إلى واقعة كونية تاريخية حقيقية؛ ولكنه عندما يتحدث عن أبناء نوح، فهو يشير إلى"نوح الثالث"كما سنرى بعد قليل. وعندما يتحدث عن سليمان الملك، فهو يتحدث عن"سليمان السابع"،المجرد من النبوة، وكذلك الحال بالنسبة لداوود، أو شاوول (طالوت) وغيرهم