إن جماليات المدن تتركز في الدرجة الأولى بنظافتها، وقد أضحت نظافة المدن هي مظهر تقدم الأمم ورقيها، وقد تبارت الأمم في هذا الميدان في عصرنا الحاضر .. هذا في القرن الخامس عشر الهجري.
وإذا عدنا إلى الوراء أربعة عشر قرنًا، يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وحاولنا استطلاع تاريخ المدن في هذا المجال. لوجدنا أن هذا الجانب، قلما فُكر فيه، أو أعطي ما يستحق من الرعاية.
وجاء الإسلام ليشمل المدن بعنايته كما شمل كل جوانب الحياة، وإذا أمعنا النظر في الأمر المؤدي إلى نظافة المدن وجدناه يرجع إلى عوامل كثيرة منها:
1)نظافة الناس الذين يعيشون في هذه المدن.
2)نظافة البيوت والأماكن التجارية .. التي تشكل هذه المدن.
3)نظافة الطرق والممرات والمرافق العامة.
وقد سبق لنا الحديث عن الأمرين الأولين. وبينا عناية الإسلام بهما. ولذا فإنا نتجه إلى العامل الثالث.
إن الأوامر العامة بالنظافة تعد كافية لتغطية هذا الجانب من جوانب الحياة، ولكن الإسلام على طريقته، في عموم تعاليمه وشمولها، قد خص هذه المرافق بأوامر خاصة بها.
فقد وردت أحاديث كثيرة في الحض على العناية بنظافة الطرق وإزالة الأذى عنها، وجعلت ذلك من جملة أعمال الخير التي يتقرب بها إلى الله تعالى، ويبتغى بها الأجر والثواب.
جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له» [1] .
وجاء في حديث أبي برزة رضي الله عنه قوله: قلت: يا نبي الله علمني شيئًا أنتفع به قال: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين» [2] .
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين اثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه، صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» [3] .
ففي هذه الأحاديث - وهي في الصحاح - حض على إماطة الأذى عن الطريق، ويلحق به ما في حكمه من المرافق العامة من ساحات وحدائق.
(1) ... متفق عليه. وهو عند البخاري في كتاب الأذان، باب 32 وعند مسلم في كتاب البر برقم 127.
(2) ... رواه مسلم. كتاب البر 131.
(3) ... رواه البخاري. كتاب الجهاد، باب 128، وهو عند أبي داود في كتاب الأدب رقم 5243.