«الحقيقة أن الجسم والروح هما وجهان لشيء واحد» ثم ينحو باللائمة على «ديكارت» الذي قال بثنائية الإنسان ويقول: إنه «اعتبر المادة والعقل شيئين غير متجانسين، كما هو الحال في كل شيئين مختلفين. وقد كان لهذا التقسيم أثره البعيد في تاريخ معرفتنا بالإنسان، لأنه أوجد مشكلة مزيفة لعلاقات الروح والجسم.
فحقيقة الأمر أنه ليست هناك مثل هذه العلاقات، فلا الروح ولا الجسم يمكن أن يفحصا كل على حدة» [1] .
ويقول أيضًا: «لقد ازدادت التفرقة بين الكم والنوع اتساعًا عندما أنشأ ديكارت مذهب ثنائية الجسم والروح. وعندئذ أصبحت ظواهر العقل غير مفهومة أو قابلة للإيضاح، إذ عزلت المادة عن الروح نهائيًا ... ولقد أدت هذه الغلطة بالحضارة إلى سلوك طريق أدى إلى فوز العلم وانحلال الإنسان» [2] .
ويؤازر أصحاب النظرة الأولى في اتجاههم أصحاب المذاهب المادية، الذين نظروا إلى الإنسان بعين كارل ماركس أو دارون ..
وعلى هذين الأصلين نشأت نظريات التربية الحديثة، فهي إما نظريات لا تعترف بالروح أصلًا، أو أنها تعترف بها كرواسب عقيدية تتذكرها في أيام «الأحد» أو عندما يكون هناك «جنازة» على حد تعبير الدكتور «راين» .
وفي هذه الحالة تكون التربية موزعة بين جهتين، فتكون التربية الدينية مهمة الكنيسة، وتكون التربية المادية مهمة المجتمع .. ومن المعلوم أن كلًا من الكنيسة والمجتمع يشغل من هذه التربية بمقدار حجمه. ويكون الإنسان بين قوتين ..
ومن هنا جاءت قضية التربية الدينية!!
إن الإسلام في تربيته التي تدعو إلى تنفيذ منهجه، يتعامل مع الإنسان ككل، نعم قد يظهر جانب ما على السطح، بعض الأحيان، ولكن الجوانب الأخرى - في هذه الحالة - لا تختفي نهائيًا.
وقد يكون ذلك الظهور من باب التوازن أو التناسق ..
ونحب أن نقف على مثالين؛ لإيضاح ما قلناه، أحدهما من باب العبادات - في مفهومها الخاص - والثاني من باب المعاملات.
المثال الأول: الصلاة.
الصلاة عبادة، ومع ذلك فهي ليست عملًا روحيًا صرفًا، كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى. إنها عبادة يؤديها الإنسان بكامل كيانه. كل جانب منه يؤدي دوره في تناسق تام مع الجوانب الأخرى.
(1) ... الإنسان ذلك المجهول. تأليف (الكسيس كاريل) ص 140.
(2) ... المصدر السابق ص 316 - 317.