ما رواه البخاري في هذا الحديث: «كان ركوع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» . فإن البراء هو القائل هذا وهذا، فإنه في السياق الأول أَدخل في ذلك قيام القراءة وجلوس التشهد، وليس مراده أَنهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلا ناقض السياق الأول الثاني، وإنما المراد أن طولهما كان مناسبًا لطول الركوع والسجود والإعتدالين بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا، كما يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنّة يطيل القيام جدًا ويخفف الركوع والسجود، وكثيرًا ما يفعلون هذا في التراويح، وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ، فإن كثيرًا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدًا فيثقل على المامومين، ويخفف الركوع والسجود والإعتدالين فلا يكمل الصلاة. فالأمران اللذان وصف بهما أنس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هما اللذان كان الأمراء يخالفونهما، وصار ذلك - أعني تقصير الإعتدالين - شعارًا حتى استحبه بعض الفقهاء وكره إطالتهما، ولهذا قال ثابت: «وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل قد نسي» .
فهذا الذي فعله أَنس هو الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله وإِن كرهه من كرهه، فسّنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَولى وأَحق بالاتباع. وقول البراء في السياق الآخر: «ما خلا القيام والقعود» بيان أَن ركن القراءة والتشهد أَطول من غيرهما. وقد ظنَّ طائفة أَن مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع وقعود الفصل بين السجدتين، وجعلوا الاستثناء عائدًا إِلى تقصيرهما، وبنوا على ذلك أَن السنّة تقصيرهما، وأَبطل من غلا منهم الصلاة بتطويلهما وهذا غلط، فإِن لفظ الحديث وسياقه يبطل قول هؤلاء. فإِن لفظ البراء: «كان ركوعه وسجوده وجلوسه بين السجدتين وإِذا رفع رأَسه ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» ، فكيف يقول وإِذا رفع راسه من الركوع ما خلا رفع راسه من الركوع؟ هذا باطل قطعًا.