وظنوا أنها لا تبنى إلا للضعفاء، والمرضى، والشيوخ، والعميان، ومن لا حاجة له بالدنيا، ناسين أن آباءهم الأولين، وسلفهم الصالحين، ما كانوا يبايعون الأئمة إلا فيها، ولا يخرجون الجيوش الفاتحين إلا منها، ولا يطلبون العلم إلا بين جدرانها، فكانوا إذا حزبهم الأمر، اجتمعوا له في المسجد، وتشاوروا فيه.
وللعلماء في المساجد المجالس العامرة بمختلف العلوم، وفي مقدمتها القرآن وتفسيره والسنة المطهرة، وبسبب ذلك تنزل السكينة، وتغشى الرحمة، وتحف الملائكة، ويذكر الله القارئين والذاكرين فيمن عنده. فلو رجع لبيوت الله ما كانت عليه من إقامة الشعائر، واجتماع المسلمين فيها، لتعلقت بها قلوب كثير من الذين أعرضوا عنها واستخفوا بشأنها [1] .
ومن عمارة المساجد: صونها عما لا يليق بها من الأقوال، والأفعال، والنجاسات، والروائح الكريهة، والأوساخ المؤذية، وذلك من تعظيمها وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلها فليمتهما طبخًا» [2] رواه مسلم في صحيحه.
قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به الناس، ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهًا عليهم، أو كان به رائحة قبيحة، لا تفارقه لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام أو شبهه، وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة #
(1) «إصلاح المجتمع» : (ص52) .
(2) «الترغيب والترهيب» : (جـ1/ 118) .