وإزاء اشتداد هذا النزاع الفقهي ، وتباين الناس وأئمتهم وفقهائهم ، تميزت المدارس الفقهية بمدرسة أهل الأثر ، ومدرسة أهل الرأي ، الأولى في المدينة المنورة ، والأخرى في العراق .
وقد كشف صراعهم التاريخ عن عمق الهوة بين الفريقين ، وبانت كتب ومصنفات ومناظرات ، وردود يطول حصرها والوقوف عليها .
والمهم هنا أن الخلافات في نظري أهون مما قد يصوره بعض الناس , للفقيه الذي يأخذ من الحديث حاجته , ومن الفقه بعينه ، دون الإخلال بالنص وشرطه ، أو الفقه وآلته .
ولا أنسى هنا أن أذكر بمقولة عجيبة ذكرها أحمد رحمه الله في زمان إبان اشتداد الصراع بين المدرستين ، ونكارة السلف للرأي وأهله في الاعتقاد ، الذي امتد للفقه قال: (كنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا) مذكورة في ترتيب المدارك لعياض .
فقه هذه المقولة وغيرها , جعلني أقلِّل من حجم الخلاف التاريخي بين المدرستين , وأن أركز هنا على الجهد الذي بذله الشافعي للمقاربة والمصالحة (حتى جاء الشافعي فمزج بيننا) .
والشافعي رحمه الله إمام أثر ونظر، وصاحب منهج في الاستدلال فريد ، استطاع ببراعته العقلية، وحصيلته الحديثية أن يوفق بين المدرستين ، وأن يوسع المضايق بينهما ، حتى يجعلها مريحة فسيحة للوئام والوفاق , ناهيك عن حذقه الأصولي , وابتكاره لعلم أصول الفقه , الذي هو فلسفة الإسلام الحقيقية , وقوام الاجتهاد, وعماد منهج الاستنباط .
فبان بعد ذلك أن المحدثين لديهم رأي وفهم واستدلال ، و أهل الرأي لديهم أحاديث ونصوص ، وليسوا بمعزل عن السنة والأثر كما توهمه بعضهم، وشنعه آخرون !! .
لكن السؤال الملح هنا:
ما هو الرأي المحمود الذي يُنتهج ، ويجعل مسلكًا وطريقًا ؟!