فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 92

وقد تبين بالبرهان الواقعي شح الطاقات الفكرية، جراء ما نعيشه الآن من أزمات متنوعة ومتداخلة عن الطاقات التي تحسن تفكر وتحلِّل، وتخرج بقناعات جيدة، وخيارات صحيحة، توضح للناس رؤيتهم المستقبلية، وما ينبغي عليهم فعله تجاه ما يشاهدون ويتألمون، وإن كان (التحليل الإلكتروني) حقق أشياء لا يمكن تجاهلها.

لقد اعتنت الصحوة سابقًا، بتعميق التدين وبناء العاطفة الروحية، وعمقت جانب الحفظ ورسمته في التعليم والتلقي، وتقاعست في العناية بالفكر، وإبراز القامات الفكرية، والنبهاء الذين يعيشون الجودة الذهنية، والاستقلال العقلي، الذي ينعشه العلم الشرعي، ويثريه التثقيف الديني، علاوة على ضبطه وحزمه، ودوام تصويبه وتسديده.

وهذه الآبدة ليست من إفرازات التربية المشيخية، ولا تحتويها الصحوة فحسب! بل إنها سقم عام، وداء شائع!

كثير من البرامج التعليمية في دول عديدة همها إبراز الحفاظ والصامدين، دون الالتفات إلى إخراج حمالي الفكر، وصانعي التفكير السليم، وأرباب التحليل المنطقي المنضبط.

رغم ما أنتجه المشايخ الفضلاء، من نتائج سامية، إلا إنهم أغفلوا جانب الفكر، فشح عندهم عباقرة التحليل، ونبهاء التنظير، الذين يحسنون تقدير الأمور ويوصفون القضية، ويسدِّدون فقهاء الشريعة، ويناقشون المشكلات المعقدة، والمعضلات المتشابكة، ويكشفون أبعاد القضايا، ومراميها، ومستقبلها وما يتوقع فيها, ويصدعون (بالقراءة الصحيحة) للمرحلة.

التربية بالحفظ أصل أصيل لابد منه، لكن ليس على حساب إهمال الفكر وغلقه وإخماده، لأن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى العنصرين.

عنصر الحفاظ الصواعق، وعنصر المفكرين اللوامع، وكلاهما يكمل الآخر، ويسد خلل أخيه، ويخدم الدعوة من خلال براعته وما يحسنه، قد علم كل أناس مشربهم وقد يوجد من يجمع الأمرين، لكنه شحيح نادر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت