وفي ظل الشغف به، ومحبة تراثه ومؤلفاته، يُرفض الرد عليه، وتعقبه في مسألة علمية، وكأنه لا يجوز محاورته ولا مناقشته، ويعد الجهال من هؤلاء أن الرد على أئمة قضوا نوعًا من سوء الأدب، والتطاول المفضوح.
مع أن الردود إذا أُخلص فيها، وصحت المقاصد والضوابط، لا دخل لها باحترام العالم وتوقيره، لأن محبة العالم شيء آخر غير
الرد العلمي.
فلم يزل العلماء يرد بعضهم على بعض، ويبقى الوئام والتحاب شيئًا مركونًا في الأنفس لا تنقصه الردود والتعقبات.
إن قداسة العالم تعني حبه وتوقيره ونشر تراثه، وليس خلع العصمة عليه، وجعله في مرتبة سامقة محروسة فوق مستوى النقد والمساءلة.
إننا بخلع العصمة على بعض الشيوخ والحفاظ، نقرن تراثهم بالوحيين، ونصحح الأغلاط، ونوسع حجم الممارسات الخاطئة، ونصدرها على أنها الحق الأكمل، والصواب المستحسن!
أضف إلى تضييق نطاق التفكير، وحد مسارات التجديد الملائمة للشريعة، والبقاء على التقليدية المتأخرة عن العصر.
إن محبة العالم شيء آخر غير نقد تراثه وتعقب آرائه واجتهاداته، وليس نقده نوعًا من التهجم عليه أو بخس حقه!!
بل حقه محفوظ في القلوب، ومشاعر الإجلال له ولأمثاله لا تنقص أبد الآباد، ففي الحديث (ويعرف لعالمنا حقه) .
وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11] .
يقول مالك رحمه الله (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم) . فلا قدسية ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى الخلفاء الأربعة الراشدين، لا عبرة بقولهم إذا خالف النص الظاهر الصحيح.
وإن كانت سنتهم ابتداء محل إجلال واهتمام من عموم المسلمين لقوله في حديث العرباض بن سارية(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين
من بعدي).