وهؤلاء الدعاة والمفكرون لا ينشدون إلا ما يفيض الحِكم, ويبث الأدب، وينشر المحاسن.
فماذا بعد ذلك؟!
هل تُنكَرُ الكلمة الحسناء، ويُعرَض عن الخطاب الجميل المؤثر.؟ أو تبقى الدعوة باردة اللسن، بالية الحديث، ضعيفة البناء، خاملة التأثير؟!
لا يقول بذلك عاقل!!
وهذه لإخواني الخطباء، حيث لا يزال طوائف كثيرة منهم، وعلماء مفتون، يعتقدون أن منبر الجمعة مخصوص بقضايا التوحيد والأخلاق والطهارة، وأن ملامسته للواقع، نوع من خروجه عن مساره، وتصعيد للأزمة، وتحدث في السياسة.
وأن ذلك ليس المسلك الصحيح، وليس هو الهدي النبوي، وهذه مشكلة معقدة، وآبدة عنيدة، تحتاج إلى تجلية لتشق أفهام بعض أولئك المنغلقين، الذين يحكرون التوحيد وقضايا الإيمان في الأحاديث النظرية، ولم يشقوا بها بطون الميادين والتجارب والمحكات.
إن مأساة تعيشها الأمة، أو ملمة تهدهد كيانها لجديرة أن تُصنع من خلالها دروس التوحيد، وتربطها بآيات القرآن، ونستشهد لها من نصوص السنة، ومن مواقف رسول الله في الملمات، ومواعظه الكريمات لصحابة الأبرار، حتى يصبح التوحيد عملًا، ويزهو ممارسةً وتطبيقًا.
إن الهدى النبوي بلا شك في المنبر هو ملامسة حاجة الناس، وليس مجافاتها كما توهمه بعض الجهلة، وجعلوا من منبر الجمعة كلامًا سطحيًا خاملًا, نائيًا عن الهدف المرسوم له، والمرام الذي من أجله وُجد وأُسس.
إن من نعم الله تعالى على أهل الإسلام، أن جعل لهم مثل هذه (الحديقة الغناء) التي يتفيأون من ظلالها كل جمعة، ويرتشفون منها منابع الهدى والنور والإيمان.
ليس حسنًا ولا حكيمًا، استبعاد المنبر عن واقع المسلمين، وليس من الفائدة جعله أخبارًا سياسية، وردودًا شخصية، بل يربى في الناس الإيمان ومنائر الأخلاق وحب الله ورسوله، مع ربط ذلك بحياة الناس وشئونهم.