وكان قبله في العراق أصحاب ابن مسعود الذين تلقفوا عنه طريقته الاستنباطية كإبراهيم النخعي والأسود وشقيق وغيرهم .
وعنهم بدت ملامح الفقه الحنفي الذي بزّ فيه ، وبرع الإمام الأكبر أبو حنيفة النعمان ، والذي أُعطي ذكاءً حادًا ، ومنهجًا واسعًا في الاستنباط والابتكار والتخريج، ورافق حقبته الزمنية ظهور أهل البدع ، وأهل الأهواء الذين وضعوا الأحاديث النبوية ، وكذبوا على سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ، مما اضطر أبو حنيفة إلى التوقي في الأخذ بكل الأحاديث فلم يأخذ إلا ما يعرف ، ولم تتطلع همته حديثيًا كما تطلعت في الجوانب الفقهية التي سما فيها وارتفع ، وحقق من خلالها فطانة الفقيه ، المتمثلة في حسن الاستنباط ووعي الشريعة، ودقة التخريجات ، وحذق الأقيسة ، التي زاد فيها وأربى ، حتى عرفوا في التاريخ الإسلامي والفقهي (بأصحاب الرأي) .
والعجيب أن بعض الدعاة والمثقفين يطلق هذا اللقب على وجه التهكم والاستنقاص ، وكأنه لا حديث لهم ولا سند !!
وهذا جهل بمذهب الحنفية , و إساءة لإمام فاضل ، وبارع . قال فيه الشافعي: (الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة) وقد عرف بحفظه ودقته، وسيلان ذهنه ، أضف إلى تمتعه برقي عبادي ، وخشية علمية ، تعز في كثيرين من الفقهاء.
ولدفع هذه الشبهة والاتهام ، صنَّف التهانوي كتابه (إعلاء السنن) ليقرر فيه أن أبا حنيفة ليس له رأي بلا دليل ، وأن أكثر اجتهاداته مبينة على الآثار خلاف الشائع والمهجور .
ومن الضروري مطالعة هذا الكتاب .
ولما ظهر الإمام الشافعي كان فقيهًا ومحدثًا والفقه عليه غالب .
وجاء أحمد وكان قد جمع بين الفنين ، والحديث عليه أغلب حيث الجرح والتعديل ، وفهم علل الأحاديث ومشكلات الإسناد .
حتى قال الشافعي معترفًا بتفوق أحمد:
(إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نرجع إليه ، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا) .