فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 101

لايستقيمُ إنِ استقرَّ عند عبدالله بن بُسْر النهيُ المطلقُ أنْ يأتي بهكذا عبارةٍ ضعيفةٍ مُحتَمِلَةٍ ويترك حديثَ: «لاَتَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ ... وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» الذي هو أقوى دِلالةً في التحريم.

فإذًا عُدُولُهُ عن ظاهر الحديث دليلٌ على أنَّه ما فهِم الحُرْمةَ المطلقةَ, وإلا فلو فهِمَها لَمَا جاز له ذاك العُدولُ, ويأتيَ بتلك المَقُولة المحتملة.

وأمَّا الاستدلالُ بحديثِ «لاصامَ ولا أفطر» فيمن صام الدهر, فهذا قياسٌ مع الفارق ذلك بأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفى عنه الصومَ الشرعيَّ الصحيحَ, ومن رغب عن سنته فليس منه, فها هنا المحكم هو قوله: (لاصامَ) وأمَّا المشتبه فهو قوله (ولا أفطر) فيُحمل هذا على ذاك فيُمنع هذا الصوم, لأنَّهُ أثبت له المُخالفةَ, بخلاف قول عبدالله بن بُسْر: «ولاعليك» فقد نفى عنه الوِزرَ, فلا يستويانِ مَثَلًا ولا حُكْمًَا, وإنْ فُهِم من قولِهِ هذا حُرمةٌ, فلا شك أنَّه يحمل على صوم السَّبْتِ تطَوُّعًَا من غيرِ ما سبب, وأمَّا التطوعُ بسببِ الفضائل التي نصح النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته بها وأرشدهم لها من غيرِ قيدٍ ونَظَرٍ لموافقتها سَبْتًا أو خميسًا فلا تدخل في النهي أبدًا.

ومع ذلك فحتى قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاصامَ ولا أفطر» فيمن صام الدهرَ لم يَفهم منه بعضُ السلف الحُرمَةَ, كما تقدَّمَ أنَّ أبا طلحةَ وعروةَ بن الزبير كانا يصومانِ الدهرَ ما خلا العيدين.

وكذا مِن بُعْدِ هذا القياس أنَّ من صام الدهرَ هو قطعًا مُخالِفٌ للسنة, بخلاف من صام عَرَفةَ أو عاشوراءَ، فالسياقُ فيمن صام الدهرَ هو: مُخالَفَةُ السُّنَّةِ فالنهيُ عنه، وأمَّا قولُهُ لا لكَ ولا عليك فهو: سياقٌ لنفي الأجر والوِزر.

ولو أراد ابنُ بُسْر النهيَ المؤبَّد المطلقَ لجاء بما يُناسِبُهُ من تشديدٍ ومزيدِ بيان, فالصحابةُ أنصحُ الأُمَّةِ بعد رسولها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, لذا فقد قال المَنَاوي في فيض القدير (9818) مؤيِّدًا أنَّ هذا الأثرَ يُفيدُ الإباحةَ فقال: (وهذا النهيُ للتنزيه لاللتحريم, والمعنى فيه إفرادُهُ كما في الجُمُعَةِ بدليلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت