وإن لم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون وإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحى بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلا بعملها، أو متقلدا لتنفيذها، مجددا لهذه السنة الدائرة، ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها، كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدأ بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها"اهـ."
وكما بين الله تعالى المعروف بيانا شاملا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، فإنه سبحانه بين المنكر بيانا شافيا أيضا، ومن أجمع الآيات في بيان المنكر قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [1] {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [2]
وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [3]
وحينما نكون بصدد المعروف أو بصدد المنكر فإنما نعني بذلك بيان الإسلام في المعروف وبيانه في المنكر، وذلك أن الغرب له معروف وله منكر، وقد يختلف معروف الغرب ومنكره عن معروف الإسلام ومنكره، وكثيرا ما يختلفان في الأخلاق وفي الاقتصاد وفي العقيدة، وفي مثل هذا الحال فإنه يجب علينا إيثار الجو الإسلامي إيثارا كاملا، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به [4] » .
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من ابتدع في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد [5] » .
(1) سورة الأنعام الآية 151
(2) سورة الأنعام الآية 152
(3) سورة الأنعام الآية 153
(4) أخرجه الخطيب في تاريخه (4/ 491) ، والبغوي في شرح السنة (ح/104) ، والحسن بن سفيان كما في فتح الباري، وقال ابن حجر: رجاله ثقات، وقد صححه النووي في آخر الأربعين. انظر: فتح الباري (13/ 289) .
(5) صحيح البخاري الصلح (2697) ، صحيح مسلم الأقضية (1718) ، سنن أبو داود السنة (4606) ، سنن ابن ماجه المقدمة (14) .