هناك حقوق أخرى للرجل على امرأته لعظم حقه عليها، فحق الرجل أعظم وآكد، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وقد ظن بعض الناس أن السجود ليس هو المشهور المعروف أن تسجد على الأرض، وإنما السجود أن تحني ظهرها.
شبيه بتحية الأعاجم وهذا خطأ، وإخراج للفظ عن مدلوله بغير دليل.
يقول علماء البيان: إن الألفاظ قوالب المعاني، فمثلًا: إذا سمعت كلمة (يد) فإن المعنى المتبادر إلى ذهنك أنها اليد التي تتكون من خمسة أصابع، هل يخطر على بالك إذا سمعت كلمة (اليد) أنها بمعنى النعمة؟ لأن المعنى الذي وضع هذا اللفظ له يقتضي هذا المعنى المتبادر إلى أذهان الجميع.
كقوله تبارك وتعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:64] الذين لجئوا للتأويل قالوا: إن (اليد) هنا بمعنى النعمة، وهذا إخراج للفظ عن الغالب المعروف، ولكن لا نشبه ربنا بخلقه، تعالى الله عن ذلك، كل شيء يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، له يد تبارك وتعالى كما أثبت لنفسه، لكن ليست كيد المخلوقين، لا نستطيع أن نتصورها.
إنما إن قلت: إن فلانًا له عليّ يدًا، فالمقصود باليد هنا النعمة، والجملة تؤدي إلى هذا المعنى، وهذا ما يسميه العلماء بالقرينة الصارفة للفظ عن معناه الحقيقي المجرد، كقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:(بينما رجل في الطريق يزور أخًا له، إذ بعث الله له ملكًا في صورة رجل، قال له الملك: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إلى قرية كذا أزور أخًا لي.
قال له: هل ترى أن له عليك يدًا؟ -أي: نعمة، فأنت تزوره بمقتضى هذا الجميل؟ - قال: لا، غير أني أزوره في الله تبارك وتعالى، قال: فإني رسول رسول الله إليك، يخبرك أنه يحبك كما أحببته فيه).
فاللفظ: (هل ترى له عليك يدًا؟) لا يقال: (عليه يد) هي اليد الحقيقية؛ لأن الجملة لا تعين على ذلك، فإذا ورد لفظ السجود في الحديث لا يتبادر منه إلا السجود المعروف (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها) .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
مما يدل على أن المقصود بالسجود هو السجود على الأرض: ما ورد في سياق هذا الحديث وغيره (أن معاذًا رضي الله عنه لما كان بالشام رأى النصارى يسجدون لأساقفتهم، فأول ما رجع ورأى النبي عليه الصلاة والسلام خر على الأرض ساجدًا، قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: يا رسول الله! رأيتهم يسجدون لأساقفتهم فأنت أحق أن أسجد لك، فقال: إن السجود لا يكون إلا لله) فالسياق واضح جدًا، وهو أن السجود كان على الأرض.
ومن هذا الحديث استدل العلماء على العذر بالجهل؛ لأن الرجل إن سجد لصنم أو لبشر وهو يعلم أن السجود لا يكون إلا لله كفر.
وأخذ العلماء من هذا الحديث أن الرجل إن سجد وهو لا يدري أن مثل هذا السجود يكفر العبد بفعله؛ عذر بجهله، وإلا لو كان لا يعذر بجهله لقال النبي عليه الصلاة والسلام لـ معاذ: قد كفرت بهذا الفعل، اذهب فاغتسل، وقل الشهادتين وادخل في الإسلام، أما أنه لم يقل له شيئًا من هذا، وأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فدل على أن الجاهل إذا فعل فعلًا من أفعال الكفر لا يعلم به أنه يعذر.
فهذا يدل على أن السجود المقصود به: السجود الحقيقي المعروف، أفرأيت إلى هذا الحديث، يقول: (إن كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ، ثم تأتي امرأة تقصر في حق زوجها! لا ينبغي لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تفعل ذلك.