وفي إحدى الأيام خرجت دابة -في رواية الترمذي أنها كانت أسدًا- فحبست الناس، فأرسل الساحر الغلام ليقتل هذه الدابة، فأخذ الغلام حجرًا وقال: اليوم أعلم أمر الراهبِ أحب إلى الله عز وجل أم أمر الساحر! ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة.
فقدم أمر الراهب على الساحر، وهذا يدل على الحب الذي كان يكنه للراهب؛ لأنه كان يمكن أن يقول: اللهم إن كان أمر الساحر أشر وأبغض إليك فاقتل هذه الدابة، لذلك قدم الراهب في الذكر؛ لأنه الأحب إليه، أراد أن يرى آية حتى يستريح، فأظهر الله عز وجل هذا الآية.
ولذلك نحن نقول: كل آية أنجاك الله عز وجل بها من مصيبة خذها مثالًا وقس عليها، وحسّن ظنك بربك، فإذا أنجاك من ورطة ثم وقعت في ورطةٍ أخرى، فقل: كما أنجاني في الأولى ينجيني في هذه؛ لأن هذا أدعى لاستقرارك على طريق الحق.
كان هناك رجل قد سجن، وهذا الرجل كنا جميعًا نظن أنه صار في عداد المحكوم عليهم بالإعدام، وسجن سجنًا مخصوصًا، وجعلوا عليه عميدًا مخصوصًا يمنع دخول أي شيء إليه، وكان هذا الرجل أحد الدعاة الكبار، فيشاء الله عز وجل أن يكون هذا العميد المختار يحب هذا الداعية جدًا، فكان كل يوم يترك له دجاجة مشوية: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .
فهذا الغلام يريد أن يرى آية من الآيات حتى تثبت إيمانه، وأن هذا الرجل على الحق فلا يحيد.
فلما رمى هذا الأسد بالحجر قتله، فظهر له بجلاء أن الراهب على الحق.