(ثم أذن الله تبارك وتعالى لهذا الرجل العاصي بتوبة فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض) .
وفي هذا دليل على استحباب أن يسأل العامي عالمًا آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول؛ لأن العلماء الذين صنفوا في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي يقولون: (لا يجوز للعامي أن يعدد السؤال على أكثر من عالم) وهذا -في الحقيقة- آفة موجودة عند بعض الناس، كلما أتى إلى عالم يسأله سؤالًا معينًا، ثم يقارن بين أجوبة العلماء أو طلاب العلم أولًا: ما هو المقصود بالسؤال؟ أليس هو رفع الإشكال؟ إنما شرع السؤال لرفع الإشكال.
فإذا كان هذا الإنسان من العوام لا يستطيع أن يرجح الحق بدليله، فسأل رجلًا سؤالًا فقال له: حرام، ثم سأل آخر نفس السؤال فقال له: حلال، فماذا يفعل وليس عنده الآلة التي يميز بها بين القولين؟ أيهما أحق أن يتبع المحرم أم المحلل؟ إما أنه سيسيء الظن بهؤلاء العلماء ويقول: لو كانوا علماء حقًا لاتفقت فتواهم، وإما أنه سيخرج من الأقوال كلها ويكون هو شيخ نفسه ويتبع هواه.
إذًا: ليس هناك ثمرة على الإطلاق أن يعدد السؤال على أكثر من عالم، لاسيما إذا لم يكن له حاجة إلى مثل ذلك.
إنما العلماء استحبوا للعامي أن يكرر السؤال على عالم آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول، فهذا الرجل لما قال له: (ألي توبة؟ قال له: لا) لجأ إلى عالم آخر يسأله عن هذه المسألة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فدل على راهب عالم) .
تجريد الأول من وصف العلم دلنا على أنه جاهل (راهب) أي: متعبد، ومن أعظم أبواب الخلل اختلاط الأزياء والسمت، دخول من لهم سمت العالم ووصف العلماء مصيبة عظيمة جدًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يميز بين العالم والمتشبه به، فإذا قيل: أين العالم الفلاني الذي في البلد؟ يشار إلى فلان، مع أنه ليس من أهل العلم، إنما تدين بزي أهل العلم فظنه الناس كذلك.
أذكر قصة ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي: أن رجلًا كان يتزيا بزي العلماء ركب سفينة مع أناس، فهبت عليهم ريح عاصف، فجاءوا إليه فقالوا له: ماذا نفعل؟ قال: كل إنسان ينذر نذرًا إن نجاه الله تبارك وتعالى من هذا ليوفين بنذره، فكل شخص نذر إن نجاه الله -مع أن هذا النذر المشروط متكلم فيه- ليوفين بنذره، فلما أنجاهم الله تبارك وتعالى كل منهم وفى بنذره، فلما جاء الدور على هذا الذي استفتوه، قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس عندي شيء أنذره، ولكن امرأتي طالق: من وجهك ثلاثًا!! هذا عجيب جدًا! لذلك إذا كان هذا الرجل يرتدي جبة أو شيئًا من هذه الملابس وليس كهؤلاء -كما يقول الشوكاني - يعد في جملة المتعاقلين.
أي: ليس بعاقل ولكنه متعاقل، فإذا قيل: عدوا لنا العقلاء دخل هذا معهم؛ لأن له سمت العقلاء فقط، ولكنه ليس كذلك.