الصحابة كان عندهم تلقٍّ عظيم واهتمام بما أنزل الله على رسوله، وهناك مثالان: المثال الأول: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ظللتُ سنةً أريد أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] حتى حجَّ وحججتُ، وعدلَ وعدلتُ، فقضى حاجتَه فجاء، فصببت عليه وضوءه فقلت: يا أمير المؤمنين! إنني منذ سنة أريد أن أسألك عن مسألة فتمنعني هيبتُك، فقال: يا ابن أخي! إذا علمتَ أن عندي علمًا فسلني، فقلت: مَن المرأتان اللتان قال الله فيهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] قال: واعجبًا لك يا ابن عباس! إنهما عائشة وحفصة.
ثم ذكر عمر الحديث فقال: (كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وجار لي من الأنصار وهم من عوالي المدينة، ينزل عند النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزل جاءني في العشية بخبر ذلك اليوم من وحي أو حديث أو أقضية، ونحو ذلك، فإذا كان يومي نزلتُ ففعلتُ مثل ذلك) .
فـ عمر رضي الله عنه لا يريد أن يفوته شيء من العلم، فعَمِلَ مناوبةًَ بينه وبين جار له، ينزل إلى زراعته في يوم وصاحبه عند النبي عليه الصلاة والسلام يتلقى العلم، فإذا نزلت آية حَفِظَها، وإذا قُضِي في قضية حَفِظَها، وإذا قيل حديثٌ حَفِظَه، وفي الليل يذهب إلى عمر فيقول له: نزلت آية كذا، وذُكِر حديث كذا، وقُضِي بقضية كذا، فإذا كان في اليوم التالي فعل عمر نفس الفعل.
والمثال الثاني: في الصحيح أيضًا قالت عائشة: (رحم الله نساء الأنصار؛ لما نزل قول الله عز وجل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] شققن مُرُوطَهن فاختمرن بها، وكن كالغربان) ، ولم تقل المرأة منهن: حتى أصل إلى البيت، وأذهب لأشتري قماشًا وأفصله وألبسه، لا.
بل نزل حكم الله في المجلس، فشقت المرأة منهن مرطها ونفذت الأمر فورًا.
وكان الصحابة كذلك إذا سمعوا شيئًا من الوحي انقلبوا إلى بيوتهم يتلون آيات الله، فكانوا يترجمون هذا القرآن واقعًا حيًا لا يتلكئون.
فهؤلاء الصحابة كانوا يتلقون العلم بهذه الطريقة؛ لذلك ما ظهرت فيهم بدعة، إنما أول بدعة ظهرت في الإسلام هي بدعة القدرية، وظهرت في آخر حياة الصحابة، ظهرت في حياة ابن عمر وأبي سعيد الخدري.
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يعلَِّمنا ما جهلنا.
اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.