فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 1719

فالمرجئة فرَّقت بين الإيمان وبين العمل.

فقالوا: لو تأخر العمل قليلًا ما يضر، وقالوا: إن العمل شرط كمال.

يعني إذا حصل فهو خير، وإذا لم يأتِ لا يضر كثيرًا.

وبعضهم قال: لا يضر أبدًا، وهؤلاء هم غلاة المرجئة، ومنهم من المعاصرين رجل ألف كتابًا فصل فيه على أن فرعون مؤمن ويدخل الجنة؛ لأن الإيمان عندهم كلمة، والعمل ليس شرطًا، ففرعون قال الكلمة: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ} [يونس:90] ، ونسي الآيات في القرآن التي تذم فرعون، وتكفره، وتكفر حتى الجنود الذين استمعوا لكلامه والذين أطاعوه، فيقول هذا الرجل: من قال لا إله إلا الله كان إيمانه كإيمان جبريل وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر ولاشك أن أي رجل آتاه الله تعالى صغير عقل لا يعتنق هذا المذهب على الإطلاق.

بقيت طائفة أخرى من المرجئة، وهم الذين لا يستهينون بالعمل، لكن يؤخرونه قليلًا، فهؤلاء أتوا على أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم كحديث أبي سعيد الخدري الطويل، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلًا يدخل الجنة لم يعمل خيرًا قط) .

فالحديث هذا في ظاهره حجة للمرجئة، إذ كيف يدخل الجنة ولم يعمل خيرًا قط؟ فالإيمان أصل ومقتضى، أصل الإيمان: الكلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .

ومقتضاه هو القيام بالتكاليف: أن تصلي وتزكي وتحج وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهذا هو المقتضى.

والإيمان كمثل طائر يطير بجناحين: الجناح الأول: الإيمان، والجناح الثاني: العمل.

فماذا نقول عن رجل دخل الجنة لم يعمل خيرًا قط؟ ولم يَبْقَ معه إلا الكلمة التي هي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فالذين يردون على المرجئة قالوا: هذه الجملة في الحديث لا تصح؛ لأن الرواة عن أبي سعيد الخدري غير عطاء بن يسار لم يذكروا هذه الجملة وعطاء بن يسار من ثقات التابعين الفحول الكبار، والحديث طويل في حدود الصفحتين، وقد روى غير عطاء بن يسار عن أبي سعيد جملًا ليست في حديث عطاء بن يسار، أفنعلها بالشذوذ، ونقول: طالما الجملة هذه لم ترد في هذا الحديث تكون شاذة؟! علماء الحديث لا يتصرفون مع الأحاديث هكذا، إنما قال هذه المقالة من ليس له دراية بعلم الحديث، وهكذا يجني على السنة من يقول: هذه اللفظة شاذة؛ لأنه عجز عن تفسيرها، أو عجز عن التصرف فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت