فهذا يدل على شرف العلم؛ لذلك كان الملتصقون بالعلماء أشرف من الملتصقين بالأغنياء، وإن كانت الدنيا تحت ركاب الأغنياء.
فحتى لا يقول رجل: أنا أريد الدنيا، والعاجلة ولا تكون إلا بالمال، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا) وبدأ بالعلم، ليكون لأهل العلم الدنيا أيضًا؛ لكن شتان بين دنيا أهل العلم، ودنيا أهل المال، أهل العلم يموتون على الحمد والثناء الحسن، ولذلك كان الرسل يقولون للناس: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57] ، ما نريد أجرًا، فالذي يقدم لك الإحسان ولا يأخذ نظيره محمود بخلاف الرجل الذي يقدم الإحسان وينتظر، مثل مسألة النقطة في يوم الزفاف، بأن يذهب من أجل أن يعطي العريس مالًا لغرض أن يأخذه فيما بعد، لذلك الرجل العريس مباشرة يدون هذا المال في دفتر؛ لأنه عارف أنه ليس هبة بل هو دين، وأنا أعرف بعض الناس اشتكى بعضَ الناس الآخرين بأنه لم يرد له النقطة.
فمثل هذا الرجل ليس محمودًا؛ لأنه كما أعطى يُعْطَي.
وبهذا الكلام اللطيف نفهم تفسير قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا انقطع رحمه وصلها) ، أي: ليس الجميل أنك ترد الزيارة بزيارة؛ لكن الجميل أن من قطعك تصله، وإذا كانت هذه الزيارة في مقابل زيارة! فأين فضلك إذًا؟! فليس الواصل الذي يكافئك بزيارةٍ كما زرته واصلًا، بل الواصل من إذا انقطعت رحمه وصلها، هذا هو الإحسان.
تجد الذين يلتصقون بأهل العلم، عندهم من الخير والشرف والترفع عن الدنايا ما ليس عند الملتصقين بأهل المال، فأهل المال أذلاء؛ لأنهم على استعداد أن يفعلوا أي شيء في سبيل زيادة رأس المال، لكن أهل العلم يراقبون الله تبارك وتعالى ويتحرون مواضع أقدامهم قبل أن ينقلوها، فمن أين يأتيهم الشر؟ ولهم الشرف أيضًا، كما قال القائل لولده وهو يعظه، قال: (يا بني! من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معًا فعليه بالعلم) .
كذلك الإمام البخاري رحمه الله كان أبوه من كبار التجار، ترك لابنه يوم مات ألف ألف درهم -أي: مليون- فلما حضرته الوفاة قال لابنه: (يا بني! أنا لا أعلم درهمًا فيه شبهة في هذا المال) فماله ليس حرامًا، بل بينه وبين الحرام مفاوز.
فاستطاع مثل هذا الرجل الصالح أن يتجنب الحرام، والأصل أنك لا تستطيع أن تتجنب الحرام، إلا إذا عرفت الحرام، كما قال القائل: عرفتُ الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه فكيف عرف الحرام؟ لأنه كان مخالطًا لأهل العلم.
ولهذا ابنه الإمام البخاري لما أراد أن يذكر له منقبة، وكل واحد عندما يذكر أباه يأتي له بأفضل شيء، فيقول مثلًا: كان رجلًا صوامًا قوامًا، أو كان يمشي على الماء، أو كان يطير في الهواء، أو أي شيء من هذا مما يراه مدحًا، فالإمام البخاري لما أراد أن يذكر منقبة لوالده ذكر أفضل شيءٍ يعلمه عن والده، فقال: (وسلم على فلان بكلتا يديه) هذه هي المنقبة الجميلة، أنه صافح أحد العلماء بكلتا يديه، ووجه الفخر في هذا أن يده مست يد هذا العالم الجليل ولعله عبد الله بن المبارك.
فهذا الرجل الصالح لما خالط أهل العلم كان دائم
السؤالأأفعل هذا؟ أهذا فيه شبهة؟ أهذا فيه حرام؟ فيفتوه، فاستقامت له دنياه بمصاحبة أهل العلم، بخلاف الآخر الذي ليس عنده شيء من العلم إنما يريد أن يزيد رصيده، وسنضرب الأمثال على سوء هذا النمط الثاني، وأن صورته مظلمة، وأنه لا يخرج أبدًا بحمد.