السؤالسائل يناشد بحرارة فيقول: أرجو أن تعرفنا شيئاًَ عن حياتك ونشأتك وطلبك للعلم؟
الجوابوالله إن أثقل شيء عليَّ أن أتحدث عن نفسي، فليس في حياتي شيء يستحق الإشادة ولا الذكر، ولكن فيها ضرب من البلاء أيضًا، فلعلي لو ذكرت شيئًا أو طرفًا منه أن يتصبر إخواننا في الله تبارك وتعالى: تخرجت من كلية الألسن، جامعة عين شمس في القاهرة، وكنت أدرس اللغة الأسبانية واللغة الفرنسية، وتخرجت من الجامعة مع مرتبة الشرف الأولى، وكنت -بحمد الله عز وجل- متفوقًا في السنوات الأربعة طيلة دراستي.
وبعد إنهاء الدراسة تعينت معيدًا في الجامعة، ثم حدثت مشادة بيني وبين عميد الكلية ففصلني، وعُين الرجل الذي يليني مباشرة، ثم نشرت الإذاعة طلبًا لمذيعين، فقدمت وكانت رغبتي ومرادي أن أكون مذيعًا في إذاعة القرآن الكريم، وكان قصدي هو نشر السنة وعمل برنامج خاص عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، تنبيهًا لجماهير المسلمين، وأيضًا: تنبيهًا للمذيعين الآخرين الذين يكثرون من الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد ضيعوا جهود أهل الحديث جميعًا لما يحتجون بالأحاديث المناكير، كأن أهل الحديث ما عملوا شيئًا مذكورًا، يقرءون الأحاديث الموضوعة والمنكرة ويحتجون بها؛ فخطر ببالي أن أدخل وأتقدم وإن كانوا هم يريدون مذيعين للغة الأسبانية في البرنامج الأوربي، استشرت أحد مذيعي التلفزيون الكبار آنذاك، فقال لي: إنك لو دخلت قسم اللغة الأسبانية من السهل أن تغير إلى محطة القرآن الكريم، فهذا هو الذي أغراني، فدخلت وتقدمت مع أناس كثيرين كان جلهم من دفعتي في الكلية.
والحمد لله كنت الأول في الترتيب، وهذه الأولية كانت بلاءً لي وامتحانًا، فلقد كان لديهم عجز في البرنامج الأوروبي في قسم اللغة الأسبانية، فأصروا عليّ، وقالوا: أنت لا تغادر هذا القسم أبدًا، فبدأت فكانت مهمتي أن أراجع الخطابات التي تأتي من الخارج لمن يراسلون الإذاعة، وكان هناك برامج امتحانات ومسابقات كانوا يلقونها على أصحاب هذه البلاد، واللغة الأسبانية هي ثاني لغة في العالم بعد الإنجليزية بالنسبة لتعداد السكان الناطقين بها، فقد كان في حدود سنة (1976م) عدد الناطقين بالأسبانية في العالم ما يقارب أربعمائة مليون نسمة، وهي منطوق بها في أسبانيا وجزء من البرتغال وأمريكا الوسطى والمكسيك وأطراف كندا، كل هؤلاء يتكلمون باللغة الأسبانية.
بدأت أفرغ هذه الخطابات فرأيت طامات، وجدت أشياءً ما تحملتها، فلما نزلت في الأستوديو لأسجل برنامجًا -وكانت أول مرة أسجل فيه برنامجًا- فإذا بالرجل يؤشر لي بإشارات معينة من خلف لوح الزجاج، يريد مني أن أرفع الموسيقى، فأول ما سمعت الموسيقى وقف شعري ولم أرجع إلى الاستديو مرة أخرى، وقلت: لا.
أنا أظل في عملي الإداري، وحصلت مشادة كبيرة انتهت بأنني لم أستطع الاستمرار في الإذاعة فتركتها.
كنت في هذه الآونة قد بدأت أدرس علوم الحديث وعلوم الفقه من أول سنة (1975م) ، ومن هذا الحين بدأت أعرف علوم الشريعة، وبدأت هذه العلوم تتملك قلبي، فلم أستطب شيئًا في حياتي مثل هذه العلوم، ولعل الذي جعلني أترك الجامعة وأترك الإذاعة محبتي لهذه العلوم.
انكببت على هذه العلوم، لكن لا أخفيكم أن للناس فضلًا عظيمًا علي وعلى تحصيلي؛ وذلك لأني متخصص في علم الحديث تصحيحًا وتضعيفًا، وأنتم تعلمون أن علم الحديث هو علم الخاصة وليس علم العامة، أي: لا أستطيع أن آتي في محاضرة عامة أو في خطبة جمعة أتكلم عن شروط الحديث الصحيح، وأن العلماء قالوا: هذا منكر، وعلامة المنكر كذا، وهذا شاذ، وعلامة الشاذ كذا، لا أستطيع، لكن الناس هم الذين جعلوني هكذا، هم الذين جعلوني أقرأ في الفقه والتفسير والحديث وفي الملح والنوادر، فحاجتهم وأسئلتهم هي التي أجبرتني على ذلك، فيأتيني رجل مثلًا يقول: أنا طلقت امرأتي في الحيض فهل الطلاق يقع؟ فلا يكون عندي أي معلومات عن الطلاق في الحيض أيقع أم لا، فأرجع إلى كتب أهل العلم وأقرأ في الطلاق في الحيض، فأجد خلافًا لأهل العلم فلا أستطيع أن أفتي إلا إذا اعتقدت قولًا ومذهبًا من المذهبين بدليله، فأبدأ في رحلة دراسة الأدلة والترجيح بين الأدلة حتى أنتهي إلى أن -مثلًًا- الطلاق في الحيض يقع أو لا يقع، فلولا مثل هذه الفتاوى ما درس الإنسان شيئًا مذكورًا.
أما الجد والاجتهاد فالإمام البخاري رحمه الله عندما دخل بغداد انبهر الناس بحفظه، ورأوا رجلًا عجيبًا في حفظه، فتناقل أهل بغداد خبره -على عادة في تنقص الأكابر آنذاك- وقال بعضهم لبعض: إنه يأخذ دواء اسمه البلادر لتقوية الحفظ.
فسمع محمد بن أبي حاتم الوراق فقال ابن أبي حاتم الوراق للبخاري: إن أهل بغداد يقولون عنك: إنك تتناول دواءً للحفظ، فهل ذلك صحيح؟ فقال الإمام البخاري رحمه الله: لا أعرف شيئًا من ذلك ولكن هي نهمة الناظر -أي: نهمة الطالب - وجودة النظر.
فأي رجل يريد أن يحصِّل ويريد أن يحفظ عليه بهاتين الخصلتين: النهمة -أي: النهم الشديد والإقبال- ثم جودة النظر.
وهناك كثير من إخواننا يقرءون في العلم ويقولون: نحن ننسى ما نقرأ، ما هو السبب في ذلك؟ السبب في ذلك: أنه لا ينوي أن ينفع أحدًا بعلمه، يقرأ فقط، لكن لو كان يقرأ وعليه مسئولية محاضرة فسيحفظ؛ لأنه لا يستطيع أن يأتي فيقف أمام الناس ويقعد على الكرسي صامتًا، لا بد أن يتكلم، وآفة العلم النسيان، وحياته المذاكرة، كما قال ابن شهاب الزهري رحمه الله.
ولقد ذكر المناوي في فيض القدير أن ابن شهاب الزهري كان يأتي من عند أبي سلمة بن عبد الرحمن ومن عند سعيد بن المسيب فيوقظ جاريته النائمة فيقول لها: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة، حدثني سعيد عن عائشة، فالجارية تقول: يا سيدي! ما لي ولـ أبي سلمة، ما لي ولـ سعيد! فيقول لها: أنا أعرف أنه لا علاقة لك لا بـ سعيد ولا بـ أبي سلمة، إنما آفة العلم النسيان وحياته المذاكرة.
فأنت إذا أردت أن تنعش هذه المعلومات فعليك بإثارة ذهنك، فلو أنك أنت تقرأ -مثلًا- على أساس أنك تبلغ شيئًا من دين الله تبارك وتعالى وتستوفي النظر والكلام في المسألة، فلن تنس هذه المسألة إن شاء الله، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم.