ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) ؛ لأن لفظة (كلهم) هنا للعموم؛ لأن لفظة (الكل) من أقوى صيغ العموم، وقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) وهذا واضح في آية الميثاق: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف:172] ، وكما في الأحاديث الصحيحة: أن الله عز وجل كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الله عز وجل لما خلق آدم مسح ظهره بيده، فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وأودع فيهم عقولًا، وخاطبهم في عالم الغيب: ألست بربكم؟ فقالوا جميعًا: بلى.
شهدنا، فقال تعالى: {أَنْ تَقُولُوا} [الأعراف:172] -أي: لئلا تقولوا، كي لا تقولوا- {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] )أي: أنا أشهدك الآن حتى لا تدعي أنك كنت غافلًا عن هذا يوم القيامة.
ولأن العباد لا يذكرون هذا الميثاق أرسل الله عز وجل الرسل تذكر بهذا الميثاق، وجعل الثواب والعقاب منوطًا بوصول البلاغ رحمة من الله تبارك وتعالى بعباده.
فيقول ربنا عز وجل: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) مع أن (كل مال نحلته عبدًا حلال) ، فلماذا يحرمونه؟ {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة:103] لكنهم حرموا ما أحل الله لهم، مع أن الأصل: (كل مال نحلته عبدًا لي فهو حلال) ، فبين لنا ربنا تبارك وتعالى أن الشياطين اجتالت هؤلاء الناس عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحل الله، وأحلت لهم ما حرم الله عليهم، وبدءوا يضعون قوانين لهذا الباطل.
ولن أنسى أبدًا الواقعة التي نشرت منذ سنوات: أن مستشارًا في آخر عمره أراد أن يتوب من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها في حياته، وأنه كان يحكم بغير ما أنزل الله، وأنه لابد أن يحكم بما أنزل الله، فجاءت له حالة زنا، فالمحامي ظل يؤخر في القضية حتى تقع في دائرة هذا المستشار؛ لأن هذا المستشار إذا جاءه إنسان محصن -متزوج- وزنى، فسيحكم عليه بالرجم، ويقول: حكمت المحكمة برجم فلان وفلانة.
ومن المعلوم في هذه الأيام أنه لا يوجد جهة تنفيذ، فلا أحد يرجم، فالرجم -عندهم- معناه: البراءة، فلو حكم عليه بالسجن أو أي حكم آخر فسيقع عليه الحكم، لكن أن يحكم عليه بالرجم فلا يوجد من ينفذ الرجم، فستكون براءة مباشرة، ولذلك فالمحامي ظل يؤخر القضية لكي تقع في دائرة هذا المستشار حتى يقول: حكمت المحكمة عليه بالرجم، ووقع ما تمناه المحامي، ووقعت المسألة في دائرة هذا المستشار، وحكمت المحكمة عليه قتلًا بالرجم، فضجت القاعة بالتصفيق، وخرج الزاني براءة.
فكيف يمحى مثل هذا الحكم ويحل محله حكم آخر: وهو أن البنت حرة التصرف في عرضها، وأن المسألة هذه مسألة مزاج، فلو أن الزوج دخل فوجد امرأته مع رجل أجنبي، وتصافوا مع بعض، تسقط الدعوى! مع أن إقامة الحد حق لله تعالى لا لأحد سواه، حتى لو تنازل الزوج، فإذا وصلت للحاكم صار إقامة الحد حق لله عز وجل، كما في حديث صفوان بن أمية في سنن النسائي وغيره.
:(أنه كان نائمًا ووضع عباءته تحت رأسه، فجاء سارق واستلها من تحت رأسه من غير أن يدري، وأوشك أن يفر بها، فقام صفوان وراءه فأمسكه وقبض عليه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن هذا الرجل استل هذه البردة من تحت رأسي، وأنا نائم.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده فتفاجأ صفوان رضي الله عنه بالحكم، أتقطع يده لأجل ثلاثين درهم؟! فقال صفوان: يا رسول الله! وهبتها له.
-لكي لا تقطع يده- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هلا قبل أن تأتيني)أي: لِمَ لم تقل هذا الكلام بينك وبينه؟! أما وقد طالما جئت فقد انتهى الأمر، ولم يعد إقامة الحد حقًا لأحد، وإنما صار حقًا لله عز وجل، فلا يجوز إسقاطه أبدًا.
فعندما يأتي الزوج ويقول: أنا راضٍ عن امرأتي، وقد عفوت عنها.
ويسقط الحد، مع أن الله عز وجل لم يسقطه.
يقول النبي صلى الله في هذا الحديث:: (فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) ، قوله تبارك وتعالى في هذا الحديث الإلهي (وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) إشارة إلى كل حكم وضعي يخالف الشريعة، فما أنزل الله سلطانًا بهذه الأحكام أبدًا.